قانون السير الجديد: هل هو فعلاً الحلّ؟

جويل بطرس

خصص برنامج كلام الناس حلقة كاملة مساء الجمعة 13 آذار لتعريف المواطنين على قانون السير الجديد الذي سوف يدخلّ حيّز التنفيذ في 22نيسان 2015. اراد مارسيل غانم، كما قال، ان يساهم مع قوى الامن الداخلي والمعنيين بتطبيق القانون بتسويقه واقناع اللبنانيين بمدى اهميته اذ يعوّل عليه الكثيرون للحدّ من حوادث السير وعدد القتلى على الطرقات. الا ان ومع تقدّم الحلقة، اكتشف غانم ومعه المشاهدون ان القانون في الوقت الحالي سيبقى حبراً على ورق باستثناء ارتفاع الغرامات على المخالفين والتي قد تصل الى ثلاثة ملايين ليرة لبنانية بالاضافة الى عقوبة اقصاها سجن خمس سنوات، وذلك حسب حجم المخالفة وطبيعتها.

images
الصورة منقولة عن http://www.yasa.org

اقرّ قانون السير الجديد عام 2012 بعد معركة طويلة خاضتها هيئات المجتمع المدني المعنية بشؤون السير مع الدولة…كالعادة. فالحالة على طرقات لبنان اقل ما يقال عنها اليوم انها كارثية. على سبيل المثال، تشير الاحصاءات الى ان مجموع حوادث السير من 1996 الى 2013 وصل الى حوالي 58000 حادث. سببت هذه الاخيرة وفاة 7800 شخص فيما بلغ عدد الجرحى 83000، منهم من اصيب بإعاقة دائمة. بالاضافة، تشير ارقام غرفة التحكم المروري التي تصدر بيانتها يومياً ان شخص واحد يموت على الاقلّ يومياً على طرقات لبنان. امام هذا الوضع المأساوي، شكلّ اقرار القانون الجديد “بمواصفات اوروبية” بصيص امل لدى المعنيين بشؤون السير في لبنان. الا ان التمثل بقوانين بلدان الاتحاد الاوروبي مسألة طموحة للغاية تندرج كما غيرها من المسائل في اطار الاحلام التي تدغدغ مخيّلة اللبنانيين وتبقى عالقة هناك.

الصورة منقولة عن موقع kunhadi.wordpress.com
الصورة منقولة عن موقع
kunhadi.wordpress.com

فلكي نواكب معايير الاتحاد الاوروبي، علينا اولاً ان نطرح على انفسنا بعض الاسئلة. اذا اردنا اجبار اللبناني على دفع غرامات عالية لمنعه من القيادة بجنون ومن ارتكاب مخالفات اخرى، فماذا نقدم له في المقابل؟ لنبدأ اولاً بالبنى التحتية. لا كلام يصف حال الطرقات في لبنان. من الحفر الى الانارة الى الفواصل بين الطرقات وصولاً الى اشارات السير التي لا تعمل. ويأتي الطوفان الذي يحلّ علينا في فصل الشتاء ان وزارة الاشغال غائبة منذ سنوات وان ايّ خطة جديّة لإعادة تأهيل الطرقات نائمة في ثبات عميق، تماماً كالمسؤولين. فسياسة “الترقيع” المعتمدة في جميع الملفات التي تعنى بالشأن العام هي السائدة ايضاً على الطرقات؛ “رقع الجورة تَ كان الله فرجها.” هذا بدون ان ننسى طبعاً زحمة السير التي يقع المواطن ضحيتها يومياً بفعل غياب اي وسيلة نقل عام محترمة من جهة واعتماد بناء الجسور والدواوير العشوائية من جهة اخرى؛ خاصة ان تمركزت هذه الجسور في منتصف الاوتوستراد كما هي حال محوّل نهر الموت (جسر السيتي مول) او ان اتى الدوّار على شاكلة دوار العدلية.

daily1.603039
الصورة منقولة عن archive.aawsat.com

لننتقل ثانية الى المواقف. ابلغنا النائب محمد قباني في سياق الحلقة انه سوف يتمّ التشدد في مسألة مخالفات الوقوف. الامر ضروري جداً فركن السيارة خط ثانٍ واحياناً كثيرة خط ثالث يسبب تفاقم الزحمة. واللبناني بطبعه كسول، يفضل المخالفة على التوجه الى المكان الذي يقصده سيراً على الاقدام. ومن هنا اهميّة تطوير ثقافة السير على حساب ثقافة السيارة، وهو الشعار الذي ينادي به قباني خلال جميع مداخلاته. لكن لا بدّ من السؤال عن المواقف المؤمنة للسائق داخل بيروت خاصة؟ من منا لا يعاني لإيجاد موقف في كورنيش المزرعة مثلاً او في الظريف او الاشرفية؟ من منا لا يصادف يومياً عدد هائل من المخالفات التي يرتكبها رجال قوى الامن على الطرقات؟ يكفي المرور من امام مقرّ ديوان المحاسبة على القنطاري واستعراض سيارات القضاة المركونة على الطريق العام.

الصورة منقولة عن www.onlylebanon.net
الصورة منقولة عن
http://www.onlylebanon.net
parking-425x282
الصورة منقولة عن http://www.blogbaladi.com

وبالحديث عن عناصر قوى الامن، من من اللبنانيين يثق بهؤلاء وبمهاراتهم وبقدرتهم على تطبيق قانون متطور؟ من منا لم يشهد او يسمع اقلّه عن شرطي سير قبل برشوة مقابل عدم تحرير محضر ضبط؟ كم عدد هؤلاء العناصر وكيف سوف يتمّ السيطرة على الفساد داخل هذه الادارة تحديداً؟ من منا لم يلقَ اي جواب عندما توّجه الى عنصر من قوى الامن للإبلاغ عن مخالفة؟ كم مرة رأينا الشرطي المسؤول عن تنظيم السير مشغولاً بهاتفه والسيارات تتخابط على الطريق؟ كم مرة رأى الشرطي المخالفة امامه وتغاضى عنها بسبب كسله من ناحية وتعوّده على الفوضى من ناحية اخرى؟ هل سيتمّ تدريب هؤلاء بغية تنفيذ مهامهم وهل التدريب كاف لعناصر تفتقر معظمها لأدنى مقوّمات الثقافة؟

11084275_10155401866300083_305986926567963908_n
الصورة منقولة عن http://www.yasa.org
61106047499924896
الصورة منقولة عن http://www.almodon.com

واخيراً، ماذا عن الثقافة؟ قباني كان على حق عندما طالب بتأسيس منهج ثقافي جديد. فاللبنانيون في اغلبيتهم الساحقة صورة عن هذا الدركي الذي ينتقدونه. يرمون النفايات من شبابيك سياراتهم ويهاجمون الدولة عندما تتطوف الطرقات بالمياه. يبدأون بالتسابق على الطرقات العامة لأن السيارة التي بجانبهم استفزت “رجوليتهم” او “انوثتهم.” يعتدون على الاملاك العامة لتأمين مواقف لهم ولزبائن مطعمهم ولشركات خدمة صف السيارات. يتجاوزون الاشارة الحمراء ويحمقون على السائق الذي امامهم اذا لم يتجاوزها هو ايضاً او لم يقلع فور اضاءة الاشارة الخضراء. يفضلون التنقل بسياراتهم الخاصة حتى لو اتيح لهم استعمال وسائل نقل عام متطورة وقد اثبتت عدة دراسات وحلقات نقاش صحة هذه النظرية. واللبناني الرسمي اسوأ من مواطنه. يمرّ بموكبه غير آبه بالسيارات والاشخاص التي “يمرّ عليها.” حراسه الشخصيون جاهزون في ايّ لحظة للانقضاض على الشخص الذي يتجرأ على الاحتجاج. والطريق العام بطبيعة الحال هي ملكه ان كان امام منزله او اي مكان آخر. وفي الختام، كم هو عدد المدارس التي ادخلت ضمن مناهجها التربوية حصص حول ثقافة السير بحيث يتخرّج التلميذ مدركاً اهمية التمتع بأدنى القيم الاخلاقية والقانونية والثقافية للقيادة بين الناس من جهة، ولإدراك أهمية النقل المشترك من جهة أخرى؟

الصورة منقولة عن www.saidanet.com
الصورة منقولة عن
http://www.saidanet.com
11081200_823608641007684_928087838902162178_n
الصورة منقولة عن موقع http://www.yasa.org

المسألة اذن معقدة للغاية. يكفي ان نعرف ان وضع حزام الامان الذي اقرّه قانون السير الذي صدر سنة 1967 دخل حيّز التنفيذ لأوّل مرة .”سنة 2000. لم يحترمه الكثيرون بالطبع، خاصة اولئك الذين ينزعجون من “الخنقة على الصدر.”

هذه الخنقة التي يشعر بها الرأي العام كلما مات شخص على الطريق. هذا الرأي العام الذي يبكي عند موت أحدهم على الطريق، ثم يركب سيارته في اليوم التالي وكأنّ شيئاً لم يكن. وكأنّ الامر لا يحتاج الى ثورة. وكأنّ عدد ضحايا حوادث السير لا يوازي اليوم عدد قتلى الحرب الاهلية اللبنانية. المسألة اليوم أخطر بكثير مما كان الوضع عليه منذ تسع سنوات. هناك شخص على الاقل يموت يومياً على طرقات لبنان. هناك ضحية كل يوم! لم يعد جائزاً ان يقود ايّ كان سيارته دون وضع حزام الامان. ولا يجوز ان يقود شخص سيارته وهو تحت تأثير الكحول. ولم يعد جائزاً ان تتخطى سرعة السيارة ال 100 كم. وليس مقبولاً ان يتحادث أحدهم مع رفيقه عبر الواتساب اثناء القيادة. الدولة مسؤولة بالطبع واخطائها جسيمة في هذا المجال.

لكننا، كمواطنين، مسؤولين قبل كلّ شيء عن حياتنا وعن حياة الاخرين. فلنحترم هذه الحياة!

 تجدون ادناه بعض التحقيقات التلفزيونية التي تناولت المشاكل التي يعاني منها اللبنانيون 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s