الاعلام في لبنان: المهم مين بيسبق

جويل بطرس

يشهد الاعلام اللبناني الى جانب الازمة المالية التي يعاني منها تدهوراً غير مسبوقاً في مستوى البرامج المعروضة، بالاضافة الى نوعية الاخبار التي يتهافت الاعلام التلفزيوني والرقمي للحصول عليها؛ هذا فضلاً عن “السرقات” حيث تنسب الوسيلة الاعلامية او العامل لديها الخبر لنفسها/ه ليتضح فيما بعد ان المصدر الاصلي قد سلبت معلوماته دون اي استئذان وبالطبع دون ان تنسب اليه. نستعرض سوياً بعض هذه الحالات.

الحالة الاولى تعود الى عادل كرم، مقدم برنامج “هيدا حكي” على شاشة الـ ام.تي.في. ظهر هذا الاخير في حلقة 31 آذار 2015 ليطلع المشاهدين في احدى فقرات البرنامج على الوضع في الشرق الاوسط. استعان كرم بخريطتين اخذ يشرح من خلالهما تصوّره للوضع بطريقة ساخرة. الجمهور الموجود في الستوديو ضحك كالعادة، فمدير المسرح يقف دائماً في المرصاد. لكن من لم يضحك تلك الليلة كان المدوّن الساخر كارل شرو. ثار سخط هذا الاخير عندما رأى كرم يعلّق على خريطة ساخرة كان قد نشرها قبل ايام قليلة على موقع “تويتر.” لم ينسب كرم الخريطة لشرو واكتفى شقيقه المنتج طارق كرم بالتصريح لصحيفة “العربي الجديد” مبرراً بأنه “في ظل غياب أي قانون ينظم قطاع الإنترنت فإن أي شيء ينشر على الشبكة يعتبر ملكاً عاماً ويمكن استخدامه.” عظيم، سوف احرص في المرة القادمة على نسب مقالة اعجبتني لنفسي، طالما ان هذا الامر مصنف في خانة “الملك العام.”

تجدون ادناه فقرة البرنامج بالاضافة الى ردّ شرو:

 

 

الصورة منقولة عن صفحة كارل شرو على موقع تويتر
الصورة منقولة عن صفحة كارل شرو على موقع تويتر

نجمة الحالة الثانية هي المذيعة على قناة او.تي.في. داليا الحسيني. استضافت هذه الاخيرة في برنامجها “من حقك” سيدة محجبة تدعى جنان مطر الى جانب الشيخ علي فقيه. وعندما شارفت الحلقة على نهايتها، سألت الحسيني مطر “اذا حدا قلك اليوم شلحي الحجاب، بتشلحي؟”. فقامت هذه الاخيرة على الفور بخلع حجابها امام الشيخ واكتفت الحسيني بالانفعال امامها معلقة “لأ، لأ…عن جد عم تشلحي؛ كيف بتشلحي؟” اجابت مطر “عادي…ما عندي قناعة.” انتهت الحلقة وسرعان ما بدأ الحديث عن “مؤامرة” حاكتها الحسيني مع ضيفتها لإثارة سبق اعلامي. افصحت مطر اثر انتهاء الحلقة التي اصبحت موضوع تداول الجميع على شبكات التواصل الاجتماعي ان الحسيني اقنعتها بارتداء الحجاب لتخلعه لاحقاً ما يضمن اثارة المشاهدين وتحقيق شهرة واسعة للبرنامج ومطر. وبغض النظر عن حقيقة ما جرى بين الحسيني ومطر خلف الكواليس، فإن ما حصل في سياق الحلقة انما يدلّ على شيء واحد فقط وهو المستوى المهين الذي قد يصل اليه الاعلام بهدف تحقيق نسبة مشاهدة عالية. الحسيني لم تردّ على ما جرى وكذلك الـ او.تي.في. لا ضرورة لذلك فلا من يراقب ولا من يسأل.

فيما يلي المشهد “المسرحي” وبعض المواقع التي تناولت الموضوع كصحيفة الاخبار وموقع جنوبية.

اما المسألة الثالثة والاخيرة تتعلق بعرض الخبر ومضمونه خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي. نكتفي هنا بذكر حالتين ضج بهما تويتر وفايسبوك في الايام القليلة الماضية.

ففي تفاصيل الحادث الاول، توفيت السيدة انيتا رشدان اثر حادث سير مروّع على اوتوستراد حالات. بدأت مواقع التواصل بتداول الخبر فعلم اقاربها بوفاتها من خلال الصفحات الاخبارية. وليصبح الخبر اكثر “جاذبية”، نشرت صورة لجثة رشدان على صفحة اليازا على الفايسبوك ما ادّى الى انتشارها بسرعة قياسية. جن جنون عائلتها ومستخدمي الفايسبوك الذين طالبوا بسحب الصورة على الفور. اوضحت اليازا ان ما قامت به كان بهدف نشر التوعية. ما يدفعنا للسؤال عن مفهوم التوعية بالاجمال لدى وسائل الاعلام اللبنانية.

فيما يتعلق الحادث الثاني بوفاة الطفل مايكل داني كاسوحة بعدما هجم عليه كلب في مزرعة والده في زحلة. الا ان جو معلوف نقل الخبر في سياق حلقة “حكي جالس” ليل 6 نيسان 2015 على شاشة الـ ال.بي.سي. وكأنه سكوب اعلامي. لجأ معلوف الى عبارات تثير مشاعر ومخيّلة المشاهد ومنها على سبيل المثال “فلت احد الكلاب على الولد واكلّو راسو بالكامل.” وبالطبع سرعان ما انتشر الخبر. المواقع الاخبارية حرصت على تقديم مادة جديدة للقراء فمنها من شرح تفاصيل وقوع الحادث، الذي اختلفت مجرياته من صفحة الى اخرى. والبعض الاخر استعان بعناوين “ساحرة” للفت انتباه القراء. ولسياسة العناوين على الصفحات الاخبارية قصة اخرى نتطرق اليها في تعليقات لاحقة. اضف الى ذلك ان عبارة “رأس طفل” كانت من الاكثر تداولاً على تويتر في 7 نيسان 2015.

وفي النتيجة، توفي مايكل وعائلته تبكيه. وفي الغد سوف يتمّ البحث عن “مايكل” آخر لخلق مادة تجذب القراء.

الخبر كما ورد على صفحة ال ال.بي.سي. على الفايسبوك وقد استعمل المحررون جملة "كلب يأكل رأس طفل."
الخبر كما ورد على صفحة ال ال.بي.سي. على الفايسبوك وقد استعملت جملة “كلب يأكل رأس طفل.”
الخبر كما ورد على صفحة الجديد "الكلب ينهش رأس الطفل."
الخبر كما ورد على صفحة الجديد “الكلب ينهش رأس الطفل.”
الخبر على صفحة ليبانون ديبايت وصورة الكلب لا تمت لفصيلة البيتبول بصلة
الخبر على صفحة ليبانون ديبايت وصورة الكلب لا تمت لفصيلة البيتبول بصلة
الخير على صفحة النشرة وقد تحوّل اسم الطفل من مايكل الى داتي
الخير على صفحة النشرة وقد تحوّل اسم الطفل من مايكل الى داتي
الخبر على صفحة النهار ومرة جديدة الطفل صار اسمه داني. هذا الى جانب اهمية السكوب التي استدعت توجه المراسلة الى المزرعة للحصول على صور حصرية للكلب
الخبر على صفحة النهار ومرة جديدة الطفل صار اسمه داني. هذا الى جانب اهمية السكوب الذي استدعى توجه المراسلة الى المزرعة للحصول على صور حصرية للكلب
Screenshot_2015-04-07-16-09-31_1
الطفل عاد اسمه مايكل بعد الضغط على الخبر
Screenshot_2015-04-07-16-09-59_1
في سياق الخبر، اشارت المراسلة الى ان الطفل يدعى مايكل ووالده اسمه داني. لتعود بعدها للاشارة للصبي بإسم داني.
IMAG4484
الهاشتاغ والعبارات الاكثر تداولا على تويتر

في الختام، ان سرقة معلومات او صور نشرت على الانترنت ونسبها لشخص آخر ليست بأمر جديد. المشكلة تكمن في ان يقوم برنامج يتابعه الآلاف بهذا الامر بعدما كان مقدمه يدّعي منذ اشهر حرصه على الثقافة ويطالب بنشرها في شتى ارجاء المعمورة. ان مسألة الانتحال على الانترنت اصبحت مشكلة حقيقة ينبغي معالجتها عبر وضع قانون يحمي الملكية الفكرية للناشر. اما ان تقرر مذيعة ومن خلفها القناة التي تبث البرنامج باستدراج شخص للتسبب بفضيحة رديئة بغية حصد نسبة مشاهدة عالية يثير في الواقع مسألة اخلاقيات المهنة التي لا يوجد نص ينظمها ما يسمح باستمرار ضربها في عرض الحائط مقابل حفنة اضافية من المشاهدين.

وتتعلق المسألة الاخيرة بسياسة “حصد اللايكات” على مواقع التواصل الاجتماعي. هنا لا شيء محظور فالفضاء مفتوح للجميع. ليس هناك من يحاسب ان تمّ نشر خبر دون التأكد من صحته. واضافة عنصر التشويق على تفاصيل الحادث امر ضروري لدفع القارئ للضغط على الخبر. وتبقى المسألة الأخيرة في العنوان فالابتذال سيد الموقف في عبارات تبدأ بـ “بالصور؛ بالفيديو؛ هكذا” وغيرها. هذا بالطبع دون ان ننسى حالات السرقات الهائلة التي تحصل يومياً بين موقع اخباري وآخر.

الاعلام اللبناني يعاني من ازمة حقيقية لا تقتصر فقط على وضعه المالي. المسألة مسألة ثقافة اجتماعية وسياسة تحريرية واخلاقيات مهنة تتدهور سريعاً.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s