سارة الامين: ضحية العنف الاسري والاعلام

جويل بطرس 

قبلت سارة الأمين وساطة جارتها ومحامي زوجها والأصحاب لتعود الى منزلها في دوحة عرمون وتتصالح مع زوجها علي الزين في 19 ايار 2015. فبعد تعنيفها لمدة عشرين عاماً وبعد حرمانها من التردد الى اهلها طوال هذه المدة، تركت سارة المنزل مع أولادها الستة بعد أن طردها زوجها برفقة اولادها وإلتجأت الى منزل شقيقها. اقامت سارة حينها دعوى ضد زوجها إلا ان جارتها قامت اقنعتها بالعودة الى المنزل. في تلك الليلة، وقع شجارا بين علي وسارة خلال ساعات الفجر الاولى. شهر علي رشاش كلاشينكوف في وجه زوجته وأطلق عليها 17 طلقة اردتها قتيلة. سارة الامين ضحية جديدة للعنف الاسري في لبنان، والاعلام يتهافت للحصول على تفاصيل جريمة ستصبح بعد فترة “خبر” تماماً كالجرائم التي سبقتها.

الصورة منقولة عن موقع www.lebwindow.net
الصورة منقولة عن موقع
http://www.lebwindow.net

كما كان متوقعاً اذاً، توزعت عائلة سارة الامين على ما بات يعرف ببرامج الاثنين: حكي جالس (ال.بي.سي)، للنشر (الجديد) و 1544 (ام.تي.في).

استضاف جو معلوف ابنتي سارة بالاضافة الى شقيقها. من جهتها، اختارت ريما كركي ابن الضحية ووالدتها وشقيقها لمحاورتهم فيما حلّ والد سارة ضيفاً على طوني خليفة. ولرفع نسبة التشويق واضفاء الاثارة المطلوبة لتحريك مشاعر المشاهدين، عرضت القنوات الثلاث مقتطفات من فيديو المراقبة في المبنى الذي تسكنه العائلة. يظهر التسجيل الاولاد وهم يخرجون من المنزل ويلحق بهم الوالد بعد لحظات حاملاً رشاشه الحربي. الجميع في ثياب النوم. لا بأس! فانتهاك الحرمة المنزلية امرٌ ضروري في مثل هذه اللحظات “المصيرية” لزيادة نسبة “الرايتنغ.” ومشهد اثاث المنزل المضرج بالدماء اساسي ايضاً لاظهار فظاعة الجريمة. وهنا لا بد من شكر هذه البرامج على عدم عرض صور لجثة الامين؛ على الارجح تلافياً لردة فعل الرأي العام رغم ان شريحة كبيرة من هذا الرأي العام تعشق صور الجثث.

هكذا اذاً، اخذ “نجوم” الاثنين مكانهم واعدوا العدة لاطلاق تحليلاتهم وصبّ آرائهم على افراد العائلة المفجوعين وعلى الرأي العام المنقسم بين رافض ومبرر لجريمة الزوج.

ركز كل من كركي ومعلوف على ابنة الامين دانا التي قرر الوالد الاحتفال بعيد ميلادها الـ17 بغية اقناع زوجته بالعودة الى المنزل. دانا في تقرير للنشر اصبح اسمها ديما. لا يهم. المهم هو الاثارة. عرضت كركي تقرير رافقته بموسيقى حزينة حيث روت دانا ما جرى فيما كان المشاهدون يستعرضون مقتطفات من الدفن ومن فيديو المراقبة. تنتهي دانا من الكلام؛ تستمر الموسيقى، يقطعها بكاء ام سارة على عدة مراحل. كم هي غالية دموع الام، صحيح. غالية لابكاء المشاهدين. ومن ثم تظهر كركي على الشاشة.

طوال الحلقة، لجأت كركي الى اسلوب التحقيق: اسئلة مباشرة لا تراعي شعور العائلة، هدفها اثارة مشاعر المشاهدين فقط لا غير.

ومن هذا المنطلق، سألت محمد (ابن سارة): “كيف لقيتها اول ما فتت؟” اي لحظة دخوله الى الصالون ليجد امه مقتولة. اجابها محمد: “راسها، ما عاد في راس. عينها. ايدها.” ولم تكتف بهذا القدر بل رددت وصف الجثة، هذه المرة بواسطة دانا خلال التقرير الذي عرض.

لنركز قليلاً على الاسئلة التي طرحتها كركي على افراد العائلة. سألت الام: “بتلوميها لسارة لأن رجعت لعندو؟” قالت للشقيق: “سارة صرلها فترة طويلة عم تعاني. بس هالمرة شو كان السبب المباشر يلي خلاه يقتلها؟ شو بيطلع براسو يعمل هيك؟ هل فعلا كان مخطط؟ شو السبب يلي خلاه يمنعكم من انو تشوفوها؟ ما في سبب؟ انو تخانقتوا معو؟ اهنتوا؟” عادت الى الابن: “امك راضية بيلي عم بصير كان؟ ليش كانت تحبو هالقد يعني؟ رغم كل هالشي؟”

لفت كركي ودارت على ضيوفها الثلاث وهمها الوحيد السبب الذي دفع علي الزين الى ارتكاب جريمته. وفيما لم تحصل على جواب يشفي غليلها، توجهت لمحمد سائلة: “اذا بدك توصفو بكلمة هلأ، شو بتقول عنو؟” سكت الابن. اصرت ريما: “هالقد بحيّر السؤال؟” اجابها: “لأ. انشالله يموت. منو بيي هيدا.” تنهدت ريما، هي التي استعانت بالتنهيدة طوال الحلقة لاضفاء جو من التأثر. حصلت على الجواب المنتظر وتخيلت ردة فعل الجمهور امام الشاشة: الابن يتمنى الموت لوالده.

شارفت بعدها الفقرة على الانتهاء، ذكرنا صوت اذاع “دقيقة واحدة” بذلك. العنف الاسري يستحق ثلاثين دقيقة فقط فهناك مواضيع اخرى لا بد ان تستحوذ ايضاً على اهتمام المشاهدين. لكن لحظة، الفقرة تفقد رونقها اذا لم يطل شخص ما ليدافع عن الزين. وها هو “صديق القاتل” كما اشار معدو البرنامج، يطلّ على المشاهدين من خلال اتصال هاتفي. بدأ المتصل بالدفاع عن علي وبالكلام عن “حبه الكبير” لسارة. وليكتمل المشهد، قال “الصديق” على مسامع العائلة: “مدام ريما، في معلومة بدي وصلّك ياها عن لسانو لعلي. بقول هوي انو قتلها دفاعاً عن النفس.” ثار سخط شقيقها وابنها في الستوديو. انهال الصراخ والشتائم. عظيم! هذا ما كانت تطمح اليه ريما وفريقها الاعدادي. حصلت على “الدوز” الكافي من الانفعال المطلوب لشحن العائلة والجمهور فقطعت الاتصال. وقالت لشقيق سارة المحقون: “استاذ بلال، هون الكاميرا.” تريد ريما ان يلتقط المخرج المشهد بافضل طريقة.

تدخل محمد وقال للشخص الذي “فاجأ” كركي باتصاله: “بدي افرمك.” هنا استيقظ حس الامومة لدى كركي. استعانت بصيغة الواعظة وطلبت من محمد ان يعدها بأن يكون “شخص ناجح مش قاتل.” كركي التي فعلت المستحيل طوال الحلقة لاظهار كمية الغضب التي تعتري محمد ولدفعه لمهاجمة والده، قررت لعب دور الحريصة على دور محمد في المجتمع في نهاية الفقرة. “بدي محمد يهز براسو لما يوجعني انا قلبي.” وتوجهت اليه قائلة: “محمد، رح يضل عقلنا براسنا. محمد عندي ولد قدك. قول ايه.” ومحمد يرجف على الكرسي. همّ كركي اذا على قلبها وطبعاً على قلب المشاهدين فهذه البرامج هدفها في النهاية “توعية” الرأي العام والوقوف الى جانبه.

انتهت الفقرة. لم تتناول كركي قانون الحماية من العنف الاسري. لم تتطرق الى حالات العنف المتزايدة في لبنان. لم تسأل عن الطريقة الافضل لمساعدة اولاد سارة للتعايش مع هذه الفاجعة. فهمّ كركي انصب على الدخول في التفاصيل الشخصية وكذلك كان همّ جو معلوف.

 

التكتيك عينه اعتمده معلوف في فقرته. تقرير ترافقه موسيقى حزينة؛ مناجاة الام المفجوعة، تصريح للابن يروي تفاصيل الجريمة، بالاضافة الى الاقرباء والتشديد هنا على تنفيذ عقوبة الاعدام بحق الزوج المجرم. في نهاية التقرير، محمد يكرر طلبه: “متل ما قتل امي، بدي ياه يموت.” وهنا يدخل جو. يتوجه مباشرة الى دانا ويقول لها: “ما بعرف اذا لازم قلك عقبال المية. كنت بتتوقعي انو عيدك ال17 يصير في هيك؟”

دانا، ضيفة معلوف، تبحث عن كلماتها. تكتفي بـ “لا.” لا يحصل معلوف على الجواب المنتظر. ينتقل للسؤال عن تفاصيل ليلة الجريمة. “خبروني شو صار ليلتها.” تجيب فاتن، ابنة سارة عن السؤال. معلوف قلق على الاولاد: “رجعتوا على المدرسة؟ شو قالوا رفقاتكن بس عرفوا؟ شو خبروكن؟” الاجوبة “سطحية” بالنسبة له. يقرر اللجوء الى استراتيجية اخرى. “اديه بتحسي بالذنب لأن كان عيد ميلادك؟ هل فكرتِ انو رجعتو عالبيت كرمالك انتِ وصار هالشي. بتجي الافكار ع راسك اوقات؟” صمتت دانا. اكتفت مجدداً بـ”لا” ومن ثم الصمت الكلي. والموسيقى الحزينة في الخلفية. الم يفكر جو معلوف للحظة عن شعور هذه الفتاة لحظة دخلت الى صالون منزلها ورأت امها مضرجة بالدماء؟ ألم يفكر بأنّ هذه الفتاة لن تتذكر شيئاً سوى جثة امها امام عيناها عند كلّ عيد ميلاد “تحتفل” به؟ بالطبع فعل. لكن ما قيمة مشاعر الضحايا امام السبق الاعلامي و”محاولة فهم دقيقة لما جرى،” على حد قول معلوف.

شعر معلوف بوطأة سؤاله على ابنة الـ17 عاماً. فاستدرك قائلاً: “كان فيها تصير بليلة تانية. بس انا بدي اعرف شو عم تفكروا. لازم الناس تعرف كمان شو عم تحسوا.” نعم، فالناس “تستلذ” بهذه اللحظات التعيسة ومعلوف يعي ذلك.

ومجدداً، معلوف يريد ان يعرف السبب الذي كان يدفع علي الى ضرب سارة. لا بد من سبب. لم يكتف بجواب فاتن التي نفت اي سبب قد يدفع والدها الى تعنيف امها. سألها مجدداً: “عطيني مثل. كيف كان يقوم يضربها. شو كان يصير لكان يضربها؟ هل كان يشرب؟ كيف بتبلش؟ كانت تستفزو؟” برر معلوف اسئلته تلك بحرصه على “توعية” النساء المعنفات واولادهن. اذا، بحسب معلوف، الطريقة الافضل لارشاد الرأي العام تكون عبر طرح اسئلة شنيعة وسطحية على اولاد لم يدركوا بعد هول الكارثة التي حلت عليهم.

عاد معلوف ليسأل عن تفاصيل تلك الليلة. يوقف فاتن كل 10 ثوان ليطرح سؤال اضافي. يريد كل التفاصيل، اي شيء قد يشكل سبق على البرامج الاخرى المنافسة. وبالتالي، عرض معلوف فيديو كاميرا المراقبة مجدداً واخذ يحلل المشاهد مع فاتن “هيدا محمد خيك ضهر من الباب. انتو كنتو صرتو برا. هيدا الناطور واقف ع جنب مش عم يسترجي يقرّب. بيّن طلع ماسك الرشاش. شو كان عم بقول هوني؟ “

في سياق الفقرة، استضاف معلوف محامي الضحية. سأله مجددا اذا كان شعر بالذنب لأنه لم يستطع حماية سارة. جو يريد تذنيب احد ما، والضيوف لا يقومون بمساعدته. المحامي حلّ ضيفاً على معلوف فيما اوحت كركي انه رفض الظهور معها. فقررت فتح النار عليه متهمة اياه بعدم مراعاة شعور العائلة والرأي العام بعدما نشر صورة لجثة الضحية مطالباً بتطبيق الاعدام في حق الزين. وبعيداً عن هول ما فعله المحامي، تناست كركي لهفتها الدائمة وراء صور الجثث فقط لأن الرجل صدّ طلبها.

انتهى المحامي من الاجابة على اسئلة معلوف الذي استعان بعدها بتسجيل صوتي بين الوالد وابنه. استمع المشاهدون حوالي دقيقة الى والد يصف ابنه بجميع انواع العبارات النابية السافلة ويهدده بالقتل. لم يتردد معلوف ببث التسجيل. لمَ يفعل؟ فقد سبق ان عرض فيديو مصور لأب يعنف اطفاله بأبشع الوسائل ولم يتأثر. لم يكتف معلوف بهذا القدر بل طلب من فريق الاعداد بث اللحظات التي تلت الجريمة ووصول القوى الامنية الى المنزل. هناك في هذا المنزل من كان قادراً على تصوير ما يجري. هناك استطاع شخص ان يحمل هاتفه لتسجيل صراخ وبكاء الاولاد. هناك شخص لم يتردد “ببيع” الفيديو الى البرنامج. فهذه الكمية من العنف اللفظي والبصري التي تظهر يومياً على شاشتنا اصبحت جزء من الروتين اليومي. وسائل الاعلام تتسابق عليها والرأي العام يستقبلها ويبحث عنها بلهفة. وهذا الواقع لا يعكس سوى الحالة المرضية التي باتت تعتري هذا المجتمع.

انتهت الفقرة. طلب جو من المرأة اللبنانية ان تكون قوية وتحمي نفسها. تكلم عن الاولاد الذين استيقظوا ليجدوا نفسهم “رجالاً.” وانتقل الى الفقرة التالية.

 

تبقى الفسحة الاخيرة لطوني خليفة وبرنامجه. لن اعلق على ما جاء على لسان خليفة شخصياً خلال الحلقة. فحتى زميلته في المحطة كاتيا مندلق لم تعرف ماذا تقول. فطوني خليفة ساوى جريمة قتل وحشية راحت ضحيتها امرأة عنفت طوال عشرين سنة بخلاف بين زوج وزوجته على كوب من الماء. والتعليق هنا لبيان من جمعية كفى ولمقالة للصحافية ليال حداد في جريدة العربي الجديد واخرى للصحافية سناء الخوري في جريدة السفير.

انتهت فقرات البرامج الثلاث كما بدأت. المشاهدون مفجوعون من هول الكارثة، يتناقلون ما حدث لكن ما من احد يفهم خطورة ما يجري. في الواقع، هذه البرامج التي من المفترض ان يكون هدفها توعية الجمهور ليست سوى بوق وصورة عن عورات المجتمع اللبناني. فهذا الاخير اصبح متساهلاً مع الجريمة بشكل مخيف. يهمه منها تفاصيلها الدموية ولحظاتها العنيفة. 17 طلقة نارية افرغت في امرأة تعرضت طوال عشرين سنة لأبشع انواع التعذيب يختصرها الاعلام بثلاثين دقيقة من الاسئلة الفارغة المضمون ومن المعالجة السطحية لتحقيق نسبة المشاهدة التي يبحث عنها. ومعه، يكتفي المشاهد بتلك اللحظات الوحشية، يستمتع بها، ثم ينتقل للبحث عن حادثة اخرى. لا يهم هذا او ذاك ان يعرف اي شيء عن قانون الحماية من العنف الاسري. لا يهمه ان يفهم كيف يمكن ان يحمي نفسه او عائلته من هذا العنف. لا يهمه ان يفهم سبب هذا العنف في الاصل. بالنسبة له، العنف ضد المرأة مبرر دائماً. فاذا اقدم رجل على قتل زوجته، تكون على الارجح قد استفزت ذكوريته او خانته. وكأن هذه الحجة او تلك تبرران الجريمة.  علي الزين قتل زوجته وبرامج الاثنين شاركت في الجريمة في 25 ايار 2015. والاخطر اليوم من تلك البرامج التي تتفشى على شاشاتنا هو المنحى الذي تسلكه ثقافة هذا المجتمع؛ هذا المجتمع الذي بات يهوى العنف ويعشق الدم.

 

Advertisements

شهداء 6 ايار: قصة التمثال والذكرى

جويل بطرس

خلال الحرب العالمية الاولى (1914-1918) اعدم والي سوريا العثماني جمال باشا حوالي 40 شخصاً في بيروت ودمشق بتهمة الخيانة العظمى والتعاون مع السلطات الفرنسية وذلك على فترة امتدت بين آب 1915 واوائل 1917. 18 منهم اعدموا في ساحة الاتحاد (سابقاً ساحة البرج وساحة المدافع) في بيروت (حملت اسم “جمعية الاتحاد والترقي” التي قادت الانقلاب على السلطان العثماني عبد الحميد الثاني عام 1908) في 6 ايار 1916. نقلت جثامين هؤلاء الى مدافن تلة الدروز في الصنائع بطريقة سرية وبقيت هناك حيث وضع نصب تذكاري فوق كل قبر يذكر اسم الميت وتحته حفرت كلمة “شهيد” بالاضافة الى تاريخ ولادته ووفاته. وتجدر الاشارة هنا الى ان الاخوين فيليب وفريد الخازن دفنا معاً في حين تمّ حفر النشيد الذي الفه عمر حمد على قبره.

الصورة منقولة عن موقع  www.aztagarabic.com
الصورة منقولة عن موقع
http://www.aztagarabic.com

بعد انتهاء الحرب عام 1918، تأسست “عصبة تكريم الشهداء” التي كان هدفها تنظيم احتفال رسمي سنوي تكريماً للشهداء وحملت الساحة التي اعدموا فيها اسم “ساحة الشهداء.” وقد قررت العصبة جمع التبرعات من اللبنانيين لتشييد نصب تذكاري يخلّد ذكراهم. وبالفعل، نجحت بتأمين المبلغ اللازم وكلفت الفنان يوسف الحويك تصميم التمثال. وفي 2 ايلول 1930، تم تدشين نصب “الباكيتان” في حفل حضره رئيس الجمهورية شارل دباس والمفوض السامي الفرنسي هنري بونصو. وكان التمثال عبارة عن امرأتين باكيتين واحدة مسيحية واخرى مسلمة ترتدي الحجاب تندبان ابنيهما فوق قبر يرمز الى مدافن الشهداء.

وبعد اعلان تأسيس دولة لبنان الكبير في 1 ايلول 1920، طلبت اللجنة من سلطة الانتداب الفرنسية تعيين تاريخ 6 ايار عيداً رسمياً للشهداء. رفض المفوض السامي الاقتراح وعيّن الاحتفال في الثاني من ايلول.  هكذا اذا، تحول الاحتفال الى احتفالين؛ الاول رسمي في الثاني من ايلول والثاني شعبي في السادس من ايار. نجحت الحملة التي قادتها اللجنة المنظمة للاحتفال الى دفع اللبنانيين الى مقاطعة السلطة وكان عدد المشاركين يزداد سنة بعد سنة في احتفال 6 ايار حيث بات طلاب المدارس والجامعات اول الحاضرين الى ساحة الشهداء. وشكل عام 1938 نقطة التحول اذ اعلنت السلطات الفرنسية توحيد العيد والاحتفال به رسمياً وشعبياً في السادس من ايار. ومنذ ذلك الحين، اصبح الاحتفال يضم رئيسي الجمهورية والوزراء وقوى الامن بالاضافة الى ممثل عن سلطة الانتداب. وكان الاحتفال عبارة عن مسيرات رسمية وشعبية تنطلق من ساحة الشهداء وصولا الى مدافن الشهداء.

الصورة منقولة عن موقع www.blogbaladi.com
الصورة منقولة عن موقع
http://www.blogbaladi.com

لم ينل النصب استحسان المسؤولين في السلطة من جهة واللبنانيين من جهة أخرى. فمعظمهم اعتبر ان الدموع تمثل الذل والخنوع في حين ان هؤلاء الشهداء ابطال. والنصب الذي كان معروفاً بـ”النصب التذكاري للشهداء” تحول بعد نيل لبنان استقلاله عام 1943 الى “نصب الباكيتين.” وبالفعل، تعرض التمثال للتحطيم في ايلول 1948 على يد سامي سليم الذي قرر ان يزيله بنفسه فنجح بكسر أنف احدى السيدتين. وصفت الصحف حينها سليم بأنه رجل مختل عقلياً. في الواقع، كان سليم عضو في العصبة واستاذ جامعي اعتبر ان التمثال لا يمثل الشهداء فقرر تحطيمه لثني السلطة على نزعه.

الحملة على تمثال الحويك حدت بالحكومة في آخر عهد الرئيس بشارة الخوري عام 1952 الى اطلاق مسابقة دولية لوضع مشروع جديد لنصب الشهداء التذكاري. وقد فاز في المسابقة المهندس اللبناني سامي عبد الباقي الذي كلف تقديم رؤية جديدة للنصب. وصل الرئيس كميل شمعون الى الحكم وتوقف العمل على المشروع بعد ان كان عبد الباقي قد انهى التصميم. وفي عام 1955 تقرر رفع نصب “الباكيتان” من ساحة الشهداء.

ظلت ساحة الشهداء بلا تمثال الى العام 1960. وكان شمعون قد قرر وضع الحجر الاساس للنصب العتيد في احتفال 6 ايار 1956 في انتظار ايجاد التصميم المناسب. ووسط انشغال السلطة بخلافاتها وبثورة 1958، كلف المجلس البلدي لمدينة بيروت النحات الايطالي مارينو مازاكوراتي تنفيذ النصب الجديد وفقاً لتصميم عبد الباقي الذي كان قد رسم رجلين عملاقين احدهما يحمل شعلة الحرية في يده. استغرق انهاء التمثال الجديد حوالي 30 شهراً ودشن في احتفال رسمي حضره رئيس الجمهورية فؤاد شهاب في 6 ايار 1960. وكانت المفاجأة بأن التمثال الجديد، البالغ طوله اربعة امتار و30 سنتيمترا وعرض قاعدته اربعة امتار ، يجمع امرأة ترفع مشعلا يرمز الى الحرية بيد وتحوط بيدها الاخرى شاباً وعلى الارض امامها ووراءها شهيدان. ولا نعلم لغاية اليوم لماذا لم يعتمد الفنان الايطالي تصميم عبد الباقي. بناء على ذلك، احتجت العصبة رافضة التمثال على اعتبار انه لا يمثّل الشهادة وقاطعت الاحتفالات احتجاجا وانتهى الامر الى الاتفاق مع الحكومة على مبدأ إلغاء التمثال الحالي وتنفيذ النصب الاساسي. وكان قد تقرر ان تعيد بلدية بيروت النظر في حديقة الساحة بحيث تنسجم مع التمثال، وان تنشىء اربعة ينابيع تمثل الفصول الاربعة. لكن البلدية اكتفت ببناء قاعدة للتمثال بقي مرفوعا عليها معزولا.

الصورة منقولة عن www.almustaqbal.com
الصورة منقولة عن
http://www.almustaqbal.com
الصورة منقولة عن موقع www.lebmoon.com
الصورة منقولة عن موقع
http://www.lebmoon.com

استمرت الاحتفالات في عيد الشهداء الى حين اندلاع الحرب الاهلية عام 1975. توقفت بفعل تحويل بيروت الى متراس يفصل بين الميليشيات المتصارعة. صمد التمثال في وجه النيران على الرغم من اصابته بالقذائف والرصاص. وعند انتهاء الحرب وعلى اثر اطلاق ورشة اعادة اعمار العاصمة، تقرر نقل تمثال الشهداء في 29 آذار 1996 الى معهد الترميم في جامعة الروح القدس – الكسليك تحت اشراف الاستاذ عصام خيرالله. انتهت اعمال الترميم ووضع التمثال في الباحة الرئيسية للجامعة في 6 ايار 1997. تركت اليد المبتورة بالاضافة الى بعض الثقوب الصغيرة ظاهرة في التمثال كي تبقى الشاهدة على الحرب. وقد بلغت كلفة الترميم حوالي 73 الف دولار تكفلت بهم شركة “سوليدير.” فكك النصب الى اربعة اجزاء وبقي ممدداً في الكسليك حوالي سبع سنوات بعدما اعلنت بلدية بيروت نيتها اقامة مواقف للسيارات تحت الارض في ساحة الشهداء خلال تلك الفترة. وكأن المواقف التي كانت قد اجتاحت وسط العاصمة لم تكن كافية رغم ما جرفته من مواقع اثرية ومن طمر لذاكرة اللبنانيين.

الصورة منقولة عن ar.wikipedia.org
الصورة منقولة عن
ar.wikipedia.org

غاب التمثال وغابت معه الاحتفالات في عيد الشهداء على الرغم من وعد رئيس الوزراء رفيق الحريري بإعادة احياء الذكرى. لم تنجح محاولات الحريري الذي قرر فجأة في 15 تموز 2004 إعادة التمثال الى ساحته بعدما اقتنع ان المرآب لن يبصر النور بسبب الخلافات بين بلدية بيروت والمقاولين. وبالفعل، تم نقل التمثال في اليوم عينه من ساحة الجامعة الى ساحة الشهداء. عند وصوله الى بيروت، مددت اجزاء التمثال على الارض وغطيت بقماش الخام واكاليل الزهر واسندت الفجوات بأكياس الرمل وذلك ريثما يتم تجهيز القاعدة الحجرية لرفعه عليها، وتهيئة المكان الذي سينصب فيه. لم يقم اي احتفال رسمي في الساحة بسبب الخلافات آنذاك بين الحريري ورئيس الجمهورية اميل لحود. وفي الواقع، لم يسلم التمثال من التجاذبات بين الرجلين اذ نقل في اليوم التالي الى موقع الكرنتينا العسكري بعد اوامر من لحود. والسبب هذه المرة غياب مكان لائق ومجهز لوضع التمثال الذي عاد في تشرين الثاني 2004 نهائياً الى ساحة الشهداء في ذكرى عيد الاستقلال.

الصورة منقولة عن www.mepanorama.net
الصورة منقولة عن
http://www.mepanorama.net

ورغم التفاف اللبنانيين في ساحة الشهداء وعودتها ساحة للتظاهرات والتجمعات، الا ان السلطة بالاضافة الى المجتمع المدني اهملوا ذكرى هذا النهار الذي تم ازالته عن اجندة الاعياد الرسمية. هذه الساحة باتت اليوم فارغة تماماً كالمدينة التي تأويها. وشهداء 6 ايار هم اليوم شهداء الصحافة التي تتذكرهم سنوياً فيما غيّب تاريخ هذه الساحة وناسها عن ذاكرة اللبنانيين.

الصورة منقولة عن wikimapia.org
الصورة منقولة عن
wikimapia.org

المراجع:

Volk, Lucia. Memorials and Martyrs in Modern Lebanon. Indiana: Indiana University Press, 2010

جريدة النهار

الدكتور علي برو: وجه آخر من هيئة التنسيق النقابية

جويل بطرس

خرج الدكتور علي برو، الموظف في وزارة الزراعة اللبنانية، من اعتصام هيئة التنسيق النقابية في 19 حزيران 2014 ليعلن الاضراب المفتوح عن الطعام، بعد انتهاء جلسة أخرى لمجلس النواب دون اقرار سلسلة الرتب والرواتب. فقد أدرك برو أنّ كلّ الوسائل التي لجأت إليها هيئة التنسيق لم تفلح في وجه سلطة راهنت على المماطلة والتسويف لثني موظفي القطاع العام عن المضي في تحركاتهم. اربع سنوات من الاعتصامات والمظاهرات والاضرابات المفتوحة لم تنجح في الضغط على السلطة الحاكمة لتنفيذ ما وعدت فيه طوال هذه الفترة.

الصورة منقولة عن موقع www.lebanon24.com
الصورة منقولة عن موقع
http://www.lebanon24.com

لذا وامام تقاعص اهل الحكم المريب، قرر برو، عضو الهيئة الإدارية لـ«رابطة موظفي الإدارة العامة»، والخارج إلى التقاعد بعد أحد عشر شهراً، الاضراب عن الطعام ونقل مقر سكنه إلى ساحة رياض الصلح إلى حين اقرار مطالب الموظفين. فاللجوء إلى الاضراب عن الطعام هو نوع مختلف من التحرك يستخدم عادة كوسيلة ضاغطة على صناع القرار لتسجيل احتجاج على سياسة الدولة بغية تحقيق هدف ما. وقد اعتمد الأسرى المحتجزون تعسفيا في السجون غالباً هذه الوسيلة للضغط على الدولة من أجل إطلاق سراحهم وقد نجحت محاولاتهم في عدة مناسبات. ومن الجدير بالذكر هنا أنّ الاضراب عن الطعام من أجل تحقيق مطالب معيشية ظلّ خجولاً جداً في العالم العربي، لا سيما لبنان، ومن هنا تكمن أهمية تحرّك علي برو.

عشرون يوم اذاً قضاهم برو تحت حرارة الشمس دون أن يرّف لسياسيي لبنان أيّ جفن. لا بل حين حاول المهندس الستيني، الموظف في الوزارة منذ سنة 1995، وقد شغل فيها منصب رئيس “مصلحة البستنة والمحاصيل الحقلية” سابقاً، وضع مظلة للإتقاء من لهيب الشمس، منعته القوى الامنية من ذلك بأمر من وزير الداخلية بحجة تهديد السلم الأهلي. لا داعي هنا للحديث عن محاولة برو نصب خيمة للجوء إليها في ساعات الحر الشديد، فقد اعتبر ذلك خطراً على الأمن القومي. هكذا، اكتفى برو بسرير حديدي وعدد من الكراسي وبظلّ شجرة لإستقبال المتضامنين معه فجلس خلف تمثال الرئيس رياض الصلح، لما له من رمزية، يراقب مقرّ رئاسة الحكومة من جهة ويتأمل خروج النواب من ساحة النجمة من جهة أخرى وقد أقرّوا زيادة الأجور. الا أنّ حلم برو لم يتحقق اذ حسم هؤلاء أمرهم فصاموا مع برو، لا عن الاكل، بل عن التشريع فيما لم يسأل أحد منهم عن هذا الموظف القابع في وسط العاصمة الذي أمل أن يلفت نظرهم ويحرّك ضمائرهم. وزيرا التربية والزراعة كانا الوحيدين الذين زارا برو في مقرّ اعتصامه. زاراه لمحاولة ثنيه عن متابعة اضرابه اذ كانا يدركان أنّ لا أمل لهذا الرجل أمام سلطة فصلت نفسها منذ زمن عن مطالب شعبها واتخذت بالمقابل قرار اغراقه في آتون زواريب السياسة الضيقة وتحويل مطالبه إلى كرة يتقاذفونها من مرمى إلى آخر.

علّق برو على احد العواميد لافتة كتب عليها “الامعاء الخاوية” تيّمناً بإضراب الاسرى الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية اذ اراد الرجل جعل معركته على مستوى صراع هذا الشعب. وضع إلى جانبه زجاجة المياه وعلبة السجائر، المرافقان الدائمان له في نضاله امام هذه السلطة المهترئة. تضامن الكثير من زملائه من هيئة التنسيق معه فقصدوه يومياً لمؤازرته في خطوته الجبارة هذه. لكنه في الحقيقة خاض هذا الكفاح وحيداً بإسم المعلمين والموظفين واللبنانيين جميعاً متمسكاً بمبادئه وحقوقه اذ لم يتجرأ أحد على رفع سقف التحرك والركوب إلى جانبه في القطار. فالاضراب عن الطعام من أجل تحقيق مطالب معيشية طال النضال من أجلها يعتبر أمر غريب على بلد مثل لبنان اعتاد اهله على مكر السلطة التي تحكمه فإستسلموا أمامها ورضيوا “بالتي هي أحسن”. وحده علي برو رفض سياسة الامر الواقع فلجأ إلى اسمى طريقة للإحتجاج السلمي آملاً بلفت نظر المسؤولين إلى واقعه وواقع عدد كبير من موظفي القطاع العام الذين سوف يخرجون إلى التقاعد بمعاش لا يتخطى الـ750 ألف ليرة لبنانية في بلد ضرب فيه غلاء المعيشة سقفاً خيالياً في السنوات الماضية. اختار برو أن يجوع لإظهار حقه بالعيش عيشة كريمة بعدما قضى عمره يخدم في ملاك الدولة مدركاً أن ما ينتظره وعائلته لاحقاً لن يكون سوى الجوع أيضاً.

ali berro 2
الصورة منقولة عن موقع http://www.lebanon24.com

استطاع علي برو الصمود عشرين يوماً رفض خلالهم المراهنة على اليأس والملل في وجه الدولة. أكدّ أنه لن يترك مكانه الا في حالتين “إمّا اقرار السلسلة أو الذهاب إلى المستشفى”. كان برو متأكداً أنه اذا سقط سوف يأتي شخص آخر ليكمل الطريق اذ إنه كان مصراً على أنّ زملائه كما هو متمسكين “بإعادة بناء الدولة”. لكن برو أخطأ عندما راهن على المعنيين في النضال لإقرار السلسلة وأخطأ أيضاً عندما اتكلّ على قوى تتكلم بإسم المجتمع المدني ولا تفعل. لم يرتقِ أحد من هؤلاء إلى مستوى هذا الاحتجاج النوعي في تاريخ لبنان. صمد برو عشرين يوماً في وجه الجوع والعوامل الطبيعية القاسية ولكنه لم ينجح في استقطاب الرأي العام إلى معركته. فللأسف لا يعرف قسم كبير من اللبنانيين من هو علي برو حتى اليوم وإن عرفوا لم يكترثوا إلى تحركه وإلى أهميته على صعيد مواجهة الاهتراء البنيوي لهذه الدولة.

انتهى احتجاج برو على اثر زيارة رئيس رابطة موظفي الادارة العامة محمود حيدر الذي تمنّى عليه التخلي عن الصوم عن الطعام والعودة إلى تحركات هيئة التنسيق بعدما أثبت المسؤولون مرة أخرى أنهم لا يسمعون ولا يرون. قبل برو وأعلن فك الاضراب. لربما لم ييأس برو ولربما فعل فالإضراب عن الطعام ينجح عادة في الدول التي تحترم حقوق الانسان. ولربما فهم أيضاً أنّ الدولة والمجتمع خذلاه على حدّ سواء. لكن برو أدرك بالتأكيد كما هيئة التنسيق النقابية أنّ الارتقاء بمستوى الدفاع عن المطالب الحقوقية يرتفع امامه لامبالاة الطبقة الحاكمة بمصير موظفيها. اختار برو المساومة في ظلّ تدهور وضعه الصحي واضعاً كلّ آماله على هيئة التنسيق التي نجحت السلطة بتفكيكها بعدما اسقطت حنا غريب في انتخابات رابطة اساتذة التعليم الثانوي الرسمي في 25 كانون الثاني 2015.