الدكتور علي برو: وجه آخر من هيئة التنسيق النقابية

جويل بطرس

خرج الدكتور علي برو، الموظف في وزارة الزراعة اللبنانية، من اعتصام هيئة التنسيق النقابية في 19 حزيران 2014 ليعلن الاضراب المفتوح عن الطعام، بعد انتهاء جلسة أخرى لمجلس النواب دون اقرار سلسلة الرتب والرواتب. فقد أدرك برو أنّ كلّ الوسائل التي لجأت إليها هيئة التنسيق لم تفلح في وجه سلطة راهنت على المماطلة والتسويف لثني موظفي القطاع العام عن المضي في تحركاتهم. اربع سنوات من الاعتصامات والمظاهرات والاضرابات المفتوحة لم تنجح في الضغط على السلطة الحاكمة لتنفيذ ما وعدت فيه طوال هذه الفترة.

الصورة منقولة عن موقع www.lebanon24.com
الصورة منقولة عن موقع
http://www.lebanon24.com

لذا وامام تقاعص اهل الحكم المريب، قرر برو، عضو الهيئة الإدارية لـ«رابطة موظفي الإدارة العامة»، والخارج إلى التقاعد بعد أحد عشر شهراً، الاضراب عن الطعام ونقل مقر سكنه إلى ساحة رياض الصلح إلى حين اقرار مطالب الموظفين. فاللجوء إلى الاضراب عن الطعام هو نوع مختلف من التحرك يستخدم عادة كوسيلة ضاغطة على صناع القرار لتسجيل احتجاج على سياسة الدولة بغية تحقيق هدف ما. وقد اعتمد الأسرى المحتجزون تعسفيا في السجون غالباً هذه الوسيلة للضغط على الدولة من أجل إطلاق سراحهم وقد نجحت محاولاتهم في عدة مناسبات. ومن الجدير بالذكر هنا أنّ الاضراب عن الطعام من أجل تحقيق مطالب معيشية ظلّ خجولاً جداً في العالم العربي، لا سيما لبنان، ومن هنا تكمن أهمية تحرّك علي برو.

عشرون يوم اذاً قضاهم برو تحت حرارة الشمس دون أن يرّف لسياسيي لبنان أيّ جفن. لا بل حين حاول المهندس الستيني، الموظف في الوزارة منذ سنة 1995، وقد شغل فيها منصب رئيس “مصلحة البستنة والمحاصيل الحقلية” سابقاً، وضع مظلة للإتقاء من لهيب الشمس، منعته القوى الامنية من ذلك بأمر من وزير الداخلية بحجة تهديد السلم الأهلي. لا داعي هنا للحديث عن محاولة برو نصب خيمة للجوء إليها في ساعات الحر الشديد، فقد اعتبر ذلك خطراً على الأمن القومي. هكذا، اكتفى برو بسرير حديدي وعدد من الكراسي وبظلّ شجرة لإستقبال المتضامنين معه فجلس خلف تمثال الرئيس رياض الصلح، لما له من رمزية، يراقب مقرّ رئاسة الحكومة من جهة ويتأمل خروج النواب من ساحة النجمة من جهة أخرى وقد أقرّوا زيادة الأجور. الا أنّ حلم برو لم يتحقق اذ حسم هؤلاء أمرهم فصاموا مع برو، لا عن الاكل، بل عن التشريع فيما لم يسأل أحد منهم عن هذا الموظف القابع في وسط العاصمة الذي أمل أن يلفت نظرهم ويحرّك ضمائرهم. وزيرا التربية والزراعة كانا الوحيدين الذين زارا برو في مقرّ اعتصامه. زاراه لمحاولة ثنيه عن متابعة اضرابه اذ كانا يدركان أنّ لا أمل لهذا الرجل أمام سلطة فصلت نفسها منذ زمن عن مطالب شعبها واتخذت بالمقابل قرار اغراقه في آتون زواريب السياسة الضيقة وتحويل مطالبه إلى كرة يتقاذفونها من مرمى إلى آخر.

علّق برو على احد العواميد لافتة كتب عليها “الامعاء الخاوية” تيّمناً بإضراب الاسرى الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية اذ اراد الرجل جعل معركته على مستوى صراع هذا الشعب. وضع إلى جانبه زجاجة المياه وعلبة السجائر، المرافقان الدائمان له في نضاله امام هذه السلطة المهترئة. تضامن الكثير من زملائه من هيئة التنسيق معه فقصدوه يومياً لمؤازرته في خطوته الجبارة هذه. لكنه في الحقيقة خاض هذا الكفاح وحيداً بإسم المعلمين والموظفين واللبنانيين جميعاً متمسكاً بمبادئه وحقوقه اذ لم يتجرأ أحد على رفع سقف التحرك والركوب إلى جانبه في القطار. فالاضراب عن الطعام من أجل تحقيق مطالب معيشية طال النضال من أجلها يعتبر أمر غريب على بلد مثل لبنان اعتاد اهله على مكر السلطة التي تحكمه فإستسلموا أمامها ورضيوا “بالتي هي أحسن”. وحده علي برو رفض سياسة الامر الواقع فلجأ إلى اسمى طريقة للإحتجاج السلمي آملاً بلفت نظر المسؤولين إلى واقعه وواقع عدد كبير من موظفي القطاع العام الذين سوف يخرجون إلى التقاعد بمعاش لا يتخطى الـ750 ألف ليرة لبنانية في بلد ضرب فيه غلاء المعيشة سقفاً خيالياً في السنوات الماضية. اختار برو أن يجوع لإظهار حقه بالعيش عيشة كريمة بعدما قضى عمره يخدم في ملاك الدولة مدركاً أن ما ينتظره وعائلته لاحقاً لن يكون سوى الجوع أيضاً.

ali berro 2
الصورة منقولة عن موقع http://www.lebanon24.com

استطاع علي برو الصمود عشرين يوماً رفض خلالهم المراهنة على اليأس والملل في وجه الدولة. أكدّ أنه لن يترك مكانه الا في حالتين “إمّا اقرار السلسلة أو الذهاب إلى المستشفى”. كان برو متأكداً أنه اذا سقط سوف يأتي شخص آخر ليكمل الطريق اذ إنه كان مصراً على أنّ زملائه كما هو متمسكين “بإعادة بناء الدولة”. لكن برو أخطأ عندما راهن على المعنيين في النضال لإقرار السلسلة وأخطأ أيضاً عندما اتكلّ على قوى تتكلم بإسم المجتمع المدني ولا تفعل. لم يرتقِ أحد من هؤلاء إلى مستوى هذا الاحتجاج النوعي في تاريخ لبنان. صمد برو عشرين يوماً في وجه الجوع والعوامل الطبيعية القاسية ولكنه لم ينجح في استقطاب الرأي العام إلى معركته. فللأسف لا يعرف قسم كبير من اللبنانيين من هو علي برو حتى اليوم وإن عرفوا لم يكترثوا إلى تحركه وإلى أهميته على صعيد مواجهة الاهتراء البنيوي لهذه الدولة.

انتهى احتجاج برو على اثر زيارة رئيس رابطة موظفي الادارة العامة محمود حيدر الذي تمنّى عليه التخلي عن الصوم عن الطعام والعودة إلى تحركات هيئة التنسيق بعدما أثبت المسؤولون مرة أخرى أنهم لا يسمعون ولا يرون. قبل برو وأعلن فك الاضراب. لربما لم ييأس برو ولربما فعل فالإضراب عن الطعام ينجح عادة في الدول التي تحترم حقوق الانسان. ولربما فهم أيضاً أنّ الدولة والمجتمع خذلاه على حدّ سواء. لكن برو أدرك بالتأكيد كما هيئة التنسيق النقابية أنّ الارتقاء بمستوى الدفاع عن المطالب الحقوقية يرتفع امامه لامبالاة الطبقة الحاكمة بمصير موظفيها. اختار برو المساومة في ظلّ تدهور وضعه الصحي واضعاً كلّ آماله على هيئة التنسيق التي نجحت السلطة بتفكيكها بعدما اسقطت حنا غريب في انتخابات رابطة اساتذة التعليم الثانوي الرسمي في 25 كانون الثاني 2015.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s