هذا الاسبوع…لا مكان للانسان

جويل بطرس

شهد هذا الأسبوع سلسلة احداث هزت الرأي العام في لبنان واثارت الكثير من الجدل بين اللبنانيين. فقد احتلت قضية الطفلة ايلا طنوس وتعنيف المحامي امين ابو جودة لزوجته والاعتداء على المحامية رانيا غيث نشرات الاخبار والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي حيث عكست تلك الصفحات درجة الانقسام بين مختلف شرائح المجتمع اللبناني. هذا المجتمع الذي بات يختلف على كلّ شيء.

مما لا شك فيه ان الحدث الأبرز كان اضراب نقابة الأطباء احتجاجاً على توقيف الدكتور عصام معلوف المتهم بإهماله لحالة الطفلة ايلا طنوس ما ادّى الى بتر أطرافها الأربعة. الطرف الأول كان نقابة الأطباء التي كما وعند كلّ اتهام للجسم الطبي، تعلن الاضراب وينكفأ اطبائها عن العمل. الجديد هذه المرة كانت خطابات نقيبها الطامح بدون أدنى شك الى تبوء منصب الزعيم، هو الذي وقف يحيي “الجماهير” ويبتسم ابتسامة الساخر من اولئك الذين تجرأوا على انتقاده. قيل الكثير عن النقابة ونقيبها لكن كان لافتاً ايضاً تعليقات الأطباء على مواقع التواصل الاجتماعي. فجأة خلع هؤلاء لباسهم الأبيض “الإنساني” واخذوا يخاطبون اللبنانيين بلغة فوقية مخيفة رسمت حدود الانقسام الطبقي بين من “درس 15 سنة” ومن “قضى أربع سنوات في الجامعة،” كما علقت احدى الطبيبات. لم يحاول الأطباء تفهم موقف اللبنانيين الذين هاجموا معلوف، بغض النظر عن احقيتهم بذلك. شكلوا تكتلا في وجه الشعب “العادي” واخذوا يستفيضون بشرح منمّق للحالة الطبية التي اصابت الطفلة، متناسين ان سبب سخط المواطنين كان تعاطفهم اولاً (وليس آخراً) مع تلك الفتاة التي لا تفارق الابتسامة وجهها والتي لا تعي اليوم ماذا ينتظرها غداً. لم يحاولوا تفهم موقف أهلها، لم يبحث احداً عن طمأنتهم او التأكيد لهم انهم سيقفون الى جانبهم لتأمين أفضل علاج لإبنتهم. حتى ان موظفي المستشفيات اصطفوا الى جانب ارباب العمل وقد اعتبرت احداهن ان أي طبيب يقبل بمعالجة مريض لم يدخل المستشفى في حالة طارئة هو “طبيب بلا ذوق،” كما ورد في تقرير لرنيم بوخزام على شاشة ال ال.بي.سي. هؤلاء اكتفوا باعلان الهجوم المضاد على من انتقد الطبيب ورحبّ بتوقيفه فيما لم يسألوا عن السبب الذي جعل قسماً كبيراً من اللبنانيين يهاجمهم بهذه الضراوة. لم يعوا حجم الشرخ بين الطبيب والمريض والذي دفع بهذا الاخير الى الاستحصال على حقه عبر فايسبوك وتويتر. ام انهم قرروا تجاهل ازمة الثقة التي خلقوها على مر السنوات بينهم وبين المريض، وبين المريض والمستشفى وبين المريض وبالطبع الدولة. هؤلاء جميعا نسوا ايلا. هذه الأخيرة بدت تفصيل في قضية هي محورها.

الصورة منقولة عن موقع www.elnashra.com
الصورة منقولة عن موقع
http://www.elnashra.com

الطرف الثاني في هذه القضية كان الاعلام. عرض مارسيل غانم تقريراً في برنامجه “كلام الناس” مع اهل الطفلة الذين طرحوا المشكلة من وجهة نظرهم. عبّر الاهل عن غضبهم تجاه ما أصاب ابنتهم واتهموا الطبيب بالإهمال. تكلم الاهل من منطلق كونهم اهل هذه الفتاة، فقط لا غير. والد ووالدة عاجزين عن تقبّل ما جرى لابنتهم، مشككين في طريقة معالجتها، خائفين على مصيرها لاسيما ان كلفة علاج ايلا المستقبلية مكلفة جداً عدا عن العذاب الذي ستعانيه طوال فترة هذا العلاج. والد جال طوال اكثر من شهر محاولا ان يفهم ماذا جرى لابنته ولم يرَ سبيلاً في النهاية سوى اللجوء الى الاعلام.  أوقف الطبيب في اليوم التالي وثار سخط الأطباء على الاعلام. اتهموا جميع الاعلام بالمتاجرة بحياة الطفلة وبالافتراء والكذب، حتى انهم لم يتوانوا عن وصف الحرية الإعلامية بـ “الطز.” قرروا إذا توجيه سهامهم على الاعلام والاعلام فقط. لكن هذا الاعلام الذي يستحق يومياً الانتقاد على طريقة تعاطيه مع الملفات الاجتماعية، لاسيما خلال ما بات يعرف بـ “برامج الاثنين” اضحى اليوم في ظلّ غياب الدولة والقانون ملجأ الضعفاء والناطق باسمهم. فبغض النظر عن استغلال بعض الاعلام للقضايا التي تصله، أصبح هذا المنبر المكان الوحيد الذي يشكل وسيلة دفاع ضاغطة تدفع الدولة – أحيانا – الى التحرّك. ومهما تكن اخطاؤه فظيعة وكثيرة -وهي فظيعة وكثيرة جداً -لا يمكن للأطباء انكار فضل هذا الاعلام ايضاً في الإضاءة على انجازاتهم. في المقابل، لم يهاجم أي من هؤلاء الاطباء القضاء وتوقيف الطبيب الذي وصفوه بالغير القانوني. طبعا لا، فالقاضي كالطبيب هو من نخب هذا المجتمع المخملي. اضرب الاطباء، هوّلوا وتوّعدوا فجاء القرار باخلاء سبيل الطبيب. ففي هذا البلد، لا يريد أحد ان يسبب باستياء احدى النقابات المشاركة في اللوبي الحاكم. وعلاوة على ذلك، لا يريد احد ان ينتقص من صلاحياتها وان يحدّ من حدود حصانتها.


الصورة منقولة عن  www.imlebanon.org
الصورة منقولة عن
http://www.imlebanon.org

وقبل “اندلاع” قضية ايلا، كان المحامي امين أبو جودة يعتدي على زوجته في وضح النهار في موقف مجمع ال ا.بي.سي. في ضبيه. لحسن حظ الزوجة – او سوئه – ان أحد الشبان المتواجدين هناك قام بتصوير كلّ ما جرى عبر هاتفه. “ولسخرية القدر”، قررت الزوجة اللجوء الى…الاعلام؛ الذي سرعان ما تبّنى قضيتها، فعرض الفيديو وطالب بمعاقبة الزوج المعنف بعد ان كشف هويته. اعطى الاعلام الفرصة لهذه الزوجة لإثبات تعنيف زوجها لها والذي طال لسنوات وساندها بالإضافة الى جمعية كفى لتحصيل حقوقها. لكن وقفت حصانة أبو جودة في وجه الزوجة ومسانديها. لم تتجرأ نقابة المحامين حتى اليوم على رفع الحصانة عن أبو جودة لكي يتمكن القضاء من محاكمته. الزوجة هاربة، الزوج يهددها ويهدد عائلتها، والنقابة…في دبي.

الصورة منقولة عن موقع  www.lbcgroup.tv
الصورة منقولة عن موقع
http://www.lbcgroup.tv

هذه النقابة، التي لا زالت تحمي أبو جودة على رغم اعترافها ان ما حصل غير متصل بممارسة الزوج مهنة المحاماة، لم تتحرك ايضاً للتضامن مع المحامية رانيا غيث. فقد تعرضت هذه الأخيرة الى اعتداء على يد أحد عناصر الاستقصاء في فرع المعلومات. والسبب…وقوفها على الإشارة الحمراء اثناء مرور موكب وهمي لوزير الداخلية نهاد المشنوق امام مركز ديوان المحاسبة في القنطاري في بيروت. انهال العنصر بالضرب على المحامية ومن حسن حظها أيضا – او لا – ان أحد المارة قام بتصوير الحادثة. تقدمت غيث بشكوى امام المحكمة العسكرية لملاحقة المعتدي. وها هي ساعات والمحكمة تخلي سبيل المعتدي دون الاستماع الى افادة المعتدى عليها او ابراز تقرير الطبيب الشرعي او استدعاء الشاهد العيان على الحادثة والذي كان جاهزاً للإدلاء بشهادته. هذه المحكمة للتوضيح هي نفسها التي حكمت على ميشال سماحة بأربع سنوات ونصف في تهمة التخطيط للقيام بأعمال إرهابية. لم يصدر صوت من مجلس نقابة المحامين يتضامن مع المحامية الناشطة في مجال حقوق الانسان بحجة ان المجلس خارج البلاد. تبنى قضيتها الاعلام والناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي. والطريف ان مقابل وقوع حادثة الاعتداء نصبت لافتة كتب عليها “زمن العدالة.” ولكن ما ادرانا ما العدالة في هذا البلد؟ هذه العدالة التي اوقفت تنفيذ قرار نقابة المحامين –ذاتها -القاضي بشطب النائب نقولا فتوش عن جدولها بعد اتهامه بالتعدي على الموظفة في قصر العدل في بعبدا منال ضو.


الصورة منقولة عن موقع www.lebaneseforces.com
الصورة منقولة عن موقع
http://www.lebaneseforces.com

احداث هذا الأسبوع تعكس تماماً صورة القعر الذي نتجه صوبه بسرعة قياسية. بتنا اليوم محاطين بأشخاص لا يترددون في الاعتداء على المواطنين، في وضح النهار، لإدراكهم ان ما من أحد سيحاسبهم على افعالهم. كما بتنا اليوم ممنوعين عن المساءلة. لا يحق لنا ان نسأل ان أخطأ هذا الطبيب ام لا؟ لا يحق لنا ان نفترض حتى ان بإمكانه ان يخطئ. كما انه بالتأكيد لا يحق لنا ان نسأل عن هذه الحصانة الممنوحة للطبيب وللمحامي والتي تحميهم من اية مساءلة ومحاسبة. وامام عجز اللبناني عن تحصيل أدنى حقوقه، لمَ نستغرب لجوئه الى الاعلام للمطالبة بحقه في ظلّ الغياب التام للدولة اللبنانية من جهة، وفي ظلّ تحالف اصحاب النفوذ ضده بمباركة هذه الدولة؟ اما المحزن والمحبط فيبقى اننا نجد أنفسنا امام كل حدث جاهزين للانقسام بين معسكرين فيما ننسى جوهر القضية؛ الانسان.