هذا الاسبوع…لا مكان للانسان

جويل بطرس

شهد هذا الأسبوع سلسلة احداث هزت الرأي العام في لبنان واثارت الكثير من الجدل بين اللبنانيين. فقد احتلت قضية الطفلة ايلا طنوس وتعنيف المحامي امين ابو جودة لزوجته والاعتداء على المحامية رانيا غيث نشرات الاخبار والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي حيث عكست تلك الصفحات درجة الانقسام بين مختلف شرائح المجتمع اللبناني. هذا المجتمع الذي بات يختلف على كلّ شيء.

مما لا شك فيه ان الحدث الأبرز كان اضراب نقابة الأطباء احتجاجاً على توقيف الدكتور عصام معلوف المتهم بإهماله لحالة الطفلة ايلا طنوس ما ادّى الى بتر أطرافها الأربعة. الطرف الأول كان نقابة الأطباء التي كما وعند كلّ اتهام للجسم الطبي، تعلن الاضراب وينكفأ اطبائها عن العمل. الجديد هذه المرة كانت خطابات نقيبها الطامح بدون أدنى شك الى تبوء منصب الزعيم، هو الذي وقف يحيي “الجماهير” ويبتسم ابتسامة الساخر من اولئك الذين تجرأوا على انتقاده. قيل الكثير عن النقابة ونقيبها لكن كان لافتاً ايضاً تعليقات الأطباء على مواقع التواصل الاجتماعي. فجأة خلع هؤلاء لباسهم الأبيض “الإنساني” واخذوا يخاطبون اللبنانيين بلغة فوقية مخيفة رسمت حدود الانقسام الطبقي بين من “درس 15 سنة” ومن “قضى أربع سنوات في الجامعة،” كما علقت احدى الطبيبات. لم يحاول الأطباء تفهم موقف اللبنانيين الذين هاجموا معلوف، بغض النظر عن احقيتهم بذلك. شكلوا تكتلا في وجه الشعب “العادي” واخذوا يستفيضون بشرح منمّق للحالة الطبية التي اصابت الطفلة، متناسين ان سبب سخط المواطنين كان تعاطفهم اولاً (وليس آخراً) مع تلك الفتاة التي لا تفارق الابتسامة وجهها والتي لا تعي اليوم ماذا ينتظرها غداً. لم يحاولوا تفهم موقف أهلها، لم يبحث احداً عن طمأنتهم او التأكيد لهم انهم سيقفون الى جانبهم لتأمين أفضل علاج لإبنتهم. حتى ان موظفي المستشفيات اصطفوا الى جانب ارباب العمل وقد اعتبرت احداهن ان أي طبيب يقبل بمعالجة مريض لم يدخل المستشفى في حالة طارئة هو “طبيب بلا ذوق،” كما ورد في تقرير لرنيم بوخزام على شاشة ال ال.بي.سي. هؤلاء اكتفوا باعلان الهجوم المضاد على من انتقد الطبيب ورحبّ بتوقيفه فيما لم يسألوا عن السبب الذي جعل قسماً كبيراً من اللبنانيين يهاجمهم بهذه الضراوة. لم يعوا حجم الشرخ بين الطبيب والمريض والذي دفع بهذا الاخير الى الاستحصال على حقه عبر فايسبوك وتويتر. ام انهم قرروا تجاهل ازمة الثقة التي خلقوها على مر السنوات بينهم وبين المريض، وبين المريض والمستشفى وبين المريض وبالطبع الدولة. هؤلاء جميعا نسوا ايلا. هذه الأخيرة بدت تفصيل في قضية هي محورها.

الصورة منقولة عن موقع www.elnashra.com
الصورة منقولة عن موقع
http://www.elnashra.com

الطرف الثاني في هذه القضية كان الاعلام. عرض مارسيل غانم تقريراً في برنامجه “كلام الناس” مع اهل الطفلة الذين طرحوا المشكلة من وجهة نظرهم. عبّر الاهل عن غضبهم تجاه ما أصاب ابنتهم واتهموا الطبيب بالإهمال. تكلم الاهل من منطلق كونهم اهل هذه الفتاة، فقط لا غير. والد ووالدة عاجزين عن تقبّل ما جرى لابنتهم، مشككين في طريقة معالجتها، خائفين على مصيرها لاسيما ان كلفة علاج ايلا المستقبلية مكلفة جداً عدا عن العذاب الذي ستعانيه طوال فترة هذا العلاج. والد جال طوال اكثر من شهر محاولا ان يفهم ماذا جرى لابنته ولم يرَ سبيلاً في النهاية سوى اللجوء الى الاعلام.  أوقف الطبيب في اليوم التالي وثار سخط الأطباء على الاعلام. اتهموا جميع الاعلام بالمتاجرة بحياة الطفلة وبالافتراء والكذب، حتى انهم لم يتوانوا عن وصف الحرية الإعلامية بـ “الطز.” قرروا إذا توجيه سهامهم على الاعلام والاعلام فقط. لكن هذا الاعلام الذي يستحق يومياً الانتقاد على طريقة تعاطيه مع الملفات الاجتماعية، لاسيما خلال ما بات يعرف بـ “برامج الاثنين” اضحى اليوم في ظلّ غياب الدولة والقانون ملجأ الضعفاء والناطق باسمهم. فبغض النظر عن استغلال بعض الاعلام للقضايا التي تصله، أصبح هذا المنبر المكان الوحيد الذي يشكل وسيلة دفاع ضاغطة تدفع الدولة – أحيانا – الى التحرّك. ومهما تكن اخطاؤه فظيعة وكثيرة -وهي فظيعة وكثيرة جداً -لا يمكن للأطباء انكار فضل هذا الاعلام ايضاً في الإضاءة على انجازاتهم. في المقابل، لم يهاجم أي من هؤلاء الاطباء القضاء وتوقيف الطبيب الذي وصفوه بالغير القانوني. طبعا لا، فالقاضي كالطبيب هو من نخب هذا المجتمع المخملي. اضرب الاطباء، هوّلوا وتوّعدوا فجاء القرار باخلاء سبيل الطبيب. ففي هذا البلد، لا يريد أحد ان يسبب باستياء احدى النقابات المشاركة في اللوبي الحاكم. وعلاوة على ذلك، لا يريد احد ان ينتقص من صلاحياتها وان يحدّ من حدود حصانتها.


الصورة منقولة عن  www.imlebanon.org
الصورة منقولة عن
http://www.imlebanon.org

وقبل “اندلاع” قضية ايلا، كان المحامي امين أبو جودة يعتدي على زوجته في وضح النهار في موقف مجمع ال ا.بي.سي. في ضبيه. لحسن حظ الزوجة – او سوئه – ان أحد الشبان المتواجدين هناك قام بتصوير كلّ ما جرى عبر هاتفه. “ولسخرية القدر”، قررت الزوجة اللجوء الى…الاعلام؛ الذي سرعان ما تبّنى قضيتها، فعرض الفيديو وطالب بمعاقبة الزوج المعنف بعد ان كشف هويته. اعطى الاعلام الفرصة لهذه الزوجة لإثبات تعنيف زوجها لها والذي طال لسنوات وساندها بالإضافة الى جمعية كفى لتحصيل حقوقها. لكن وقفت حصانة أبو جودة في وجه الزوجة ومسانديها. لم تتجرأ نقابة المحامين حتى اليوم على رفع الحصانة عن أبو جودة لكي يتمكن القضاء من محاكمته. الزوجة هاربة، الزوج يهددها ويهدد عائلتها، والنقابة…في دبي.

الصورة منقولة عن موقع  www.lbcgroup.tv
الصورة منقولة عن موقع
http://www.lbcgroup.tv

هذه النقابة، التي لا زالت تحمي أبو جودة على رغم اعترافها ان ما حصل غير متصل بممارسة الزوج مهنة المحاماة، لم تتحرك ايضاً للتضامن مع المحامية رانيا غيث. فقد تعرضت هذه الأخيرة الى اعتداء على يد أحد عناصر الاستقصاء في فرع المعلومات. والسبب…وقوفها على الإشارة الحمراء اثناء مرور موكب وهمي لوزير الداخلية نهاد المشنوق امام مركز ديوان المحاسبة في القنطاري في بيروت. انهال العنصر بالضرب على المحامية ومن حسن حظها أيضا – او لا – ان أحد المارة قام بتصوير الحادثة. تقدمت غيث بشكوى امام المحكمة العسكرية لملاحقة المعتدي. وها هي ساعات والمحكمة تخلي سبيل المعتدي دون الاستماع الى افادة المعتدى عليها او ابراز تقرير الطبيب الشرعي او استدعاء الشاهد العيان على الحادثة والذي كان جاهزاً للإدلاء بشهادته. هذه المحكمة للتوضيح هي نفسها التي حكمت على ميشال سماحة بأربع سنوات ونصف في تهمة التخطيط للقيام بأعمال إرهابية. لم يصدر صوت من مجلس نقابة المحامين يتضامن مع المحامية الناشطة في مجال حقوق الانسان بحجة ان المجلس خارج البلاد. تبنى قضيتها الاعلام والناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي. والطريف ان مقابل وقوع حادثة الاعتداء نصبت لافتة كتب عليها “زمن العدالة.” ولكن ما ادرانا ما العدالة في هذا البلد؟ هذه العدالة التي اوقفت تنفيذ قرار نقابة المحامين –ذاتها -القاضي بشطب النائب نقولا فتوش عن جدولها بعد اتهامه بالتعدي على الموظفة في قصر العدل في بعبدا منال ضو.


الصورة منقولة عن موقع www.lebaneseforces.com
الصورة منقولة عن موقع
http://www.lebaneseforces.com

احداث هذا الأسبوع تعكس تماماً صورة القعر الذي نتجه صوبه بسرعة قياسية. بتنا اليوم محاطين بأشخاص لا يترددون في الاعتداء على المواطنين، في وضح النهار، لإدراكهم ان ما من أحد سيحاسبهم على افعالهم. كما بتنا اليوم ممنوعين عن المساءلة. لا يحق لنا ان نسأل ان أخطأ هذا الطبيب ام لا؟ لا يحق لنا ان نفترض حتى ان بإمكانه ان يخطئ. كما انه بالتأكيد لا يحق لنا ان نسأل عن هذه الحصانة الممنوحة للطبيب وللمحامي والتي تحميهم من اية مساءلة ومحاسبة. وامام عجز اللبناني عن تحصيل أدنى حقوقه، لمَ نستغرب لجوئه الى الاعلام للمطالبة بحقه في ظلّ الغياب التام للدولة اللبنانية من جهة، وفي ظلّ تحالف اصحاب النفوذ ضده بمباركة هذه الدولة؟ اما المحزن والمحبط فيبقى اننا نجد أنفسنا امام كل حدث جاهزين للانقسام بين معسكرين فيما ننسى جوهر القضية؛ الانسان.

Advertisements

سارة الامين: ضحية العنف الاسري والاعلام

جويل بطرس 

قبلت سارة الأمين وساطة جارتها ومحامي زوجها والأصحاب لتعود الى منزلها في دوحة عرمون وتتصالح مع زوجها علي الزين في 19 ايار 2015. فبعد تعنيفها لمدة عشرين عاماً وبعد حرمانها من التردد الى اهلها طوال هذه المدة، تركت سارة المنزل مع أولادها الستة بعد أن طردها زوجها برفقة اولادها وإلتجأت الى منزل شقيقها. اقامت سارة حينها دعوى ضد زوجها إلا ان جارتها قامت اقنعتها بالعودة الى المنزل. في تلك الليلة، وقع شجارا بين علي وسارة خلال ساعات الفجر الاولى. شهر علي رشاش كلاشينكوف في وجه زوجته وأطلق عليها 17 طلقة اردتها قتيلة. سارة الامين ضحية جديدة للعنف الاسري في لبنان، والاعلام يتهافت للحصول على تفاصيل جريمة ستصبح بعد فترة “خبر” تماماً كالجرائم التي سبقتها.

الصورة منقولة عن موقع www.lebwindow.net
الصورة منقولة عن موقع
http://www.lebwindow.net

كما كان متوقعاً اذاً، توزعت عائلة سارة الامين على ما بات يعرف ببرامج الاثنين: حكي جالس (ال.بي.سي)، للنشر (الجديد) و 1544 (ام.تي.في).

استضاف جو معلوف ابنتي سارة بالاضافة الى شقيقها. من جهتها، اختارت ريما كركي ابن الضحية ووالدتها وشقيقها لمحاورتهم فيما حلّ والد سارة ضيفاً على طوني خليفة. ولرفع نسبة التشويق واضفاء الاثارة المطلوبة لتحريك مشاعر المشاهدين، عرضت القنوات الثلاث مقتطفات من فيديو المراقبة في المبنى الذي تسكنه العائلة. يظهر التسجيل الاولاد وهم يخرجون من المنزل ويلحق بهم الوالد بعد لحظات حاملاً رشاشه الحربي. الجميع في ثياب النوم. لا بأس! فانتهاك الحرمة المنزلية امرٌ ضروري في مثل هذه اللحظات “المصيرية” لزيادة نسبة “الرايتنغ.” ومشهد اثاث المنزل المضرج بالدماء اساسي ايضاً لاظهار فظاعة الجريمة. وهنا لا بد من شكر هذه البرامج على عدم عرض صور لجثة الامين؛ على الارجح تلافياً لردة فعل الرأي العام رغم ان شريحة كبيرة من هذا الرأي العام تعشق صور الجثث.

هكذا اذاً، اخذ “نجوم” الاثنين مكانهم واعدوا العدة لاطلاق تحليلاتهم وصبّ آرائهم على افراد العائلة المفجوعين وعلى الرأي العام المنقسم بين رافض ومبرر لجريمة الزوج.

ركز كل من كركي ومعلوف على ابنة الامين دانا التي قرر الوالد الاحتفال بعيد ميلادها الـ17 بغية اقناع زوجته بالعودة الى المنزل. دانا في تقرير للنشر اصبح اسمها ديما. لا يهم. المهم هو الاثارة. عرضت كركي تقرير رافقته بموسيقى حزينة حيث روت دانا ما جرى فيما كان المشاهدون يستعرضون مقتطفات من الدفن ومن فيديو المراقبة. تنتهي دانا من الكلام؛ تستمر الموسيقى، يقطعها بكاء ام سارة على عدة مراحل. كم هي غالية دموع الام، صحيح. غالية لابكاء المشاهدين. ومن ثم تظهر كركي على الشاشة.

طوال الحلقة، لجأت كركي الى اسلوب التحقيق: اسئلة مباشرة لا تراعي شعور العائلة، هدفها اثارة مشاعر المشاهدين فقط لا غير.

ومن هذا المنطلق، سألت محمد (ابن سارة): “كيف لقيتها اول ما فتت؟” اي لحظة دخوله الى الصالون ليجد امه مقتولة. اجابها محمد: “راسها، ما عاد في راس. عينها. ايدها.” ولم تكتف بهذا القدر بل رددت وصف الجثة، هذه المرة بواسطة دانا خلال التقرير الذي عرض.

لنركز قليلاً على الاسئلة التي طرحتها كركي على افراد العائلة. سألت الام: “بتلوميها لسارة لأن رجعت لعندو؟” قالت للشقيق: “سارة صرلها فترة طويلة عم تعاني. بس هالمرة شو كان السبب المباشر يلي خلاه يقتلها؟ شو بيطلع براسو يعمل هيك؟ هل فعلا كان مخطط؟ شو السبب يلي خلاه يمنعكم من انو تشوفوها؟ ما في سبب؟ انو تخانقتوا معو؟ اهنتوا؟” عادت الى الابن: “امك راضية بيلي عم بصير كان؟ ليش كانت تحبو هالقد يعني؟ رغم كل هالشي؟”

لفت كركي ودارت على ضيوفها الثلاث وهمها الوحيد السبب الذي دفع علي الزين الى ارتكاب جريمته. وفيما لم تحصل على جواب يشفي غليلها، توجهت لمحمد سائلة: “اذا بدك توصفو بكلمة هلأ، شو بتقول عنو؟” سكت الابن. اصرت ريما: “هالقد بحيّر السؤال؟” اجابها: “لأ. انشالله يموت. منو بيي هيدا.” تنهدت ريما، هي التي استعانت بالتنهيدة طوال الحلقة لاضفاء جو من التأثر. حصلت على الجواب المنتظر وتخيلت ردة فعل الجمهور امام الشاشة: الابن يتمنى الموت لوالده.

شارفت بعدها الفقرة على الانتهاء، ذكرنا صوت اذاع “دقيقة واحدة” بذلك. العنف الاسري يستحق ثلاثين دقيقة فقط فهناك مواضيع اخرى لا بد ان تستحوذ ايضاً على اهتمام المشاهدين. لكن لحظة، الفقرة تفقد رونقها اذا لم يطل شخص ما ليدافع عن الزين. وها هو “صديق القاتل” كما اشار معدو البرنامج، يطلّ على المشاهدين من خلال اتصال هاتفي. بدأ المتصل بالدفاع عن علي وبالكلام عن “حبه الكبير” لسارة. وليكتمل المشهد، قال “الصديق” على مسامع العائلة: “مدام ريما، في معلومة بدي وصلّك ياها عن لسانو لعلي. بقول هوي انو قتلها دفاعاً عن النفس.” ثار سخط شقيقها وابنها في الستوديو. انهال الصراخ والشتائم. عظيم! هذا ما كانت تطمح اليه ريما وفريقها الاعدادي. حصلت على “الدوز” الكافي من الانفعال المطلوب لشحن العائلة والجمهور فقطعت الاتصال. وقالت لشقيق سارة المحقون: “استاذ بلال، هون الكاميرا.” تريد ريما ان يلتقط المخرج المشهد بافضل طريقة.

تدخل محمد وقال للشخص الذي “فاجأ” كركي باتصاله: “بدي افرمك.” هنا استيقظ حس الامومة لدى كركي. استعانت بصيغة الواعظة وطلبت من محمد ان يعدها بأن يكون “شخص ناجح مش قاتل.” كركي التي فعلت المستحيل طوال الحلقة لاظهار كمية الغضب التي تعتري محمد ولدفعه لمهاجمة والده، قررت لعب دور الحريصة على دور محمد في المجتمع في نهاية الفقرة. “بدي محمد يهز براسو لما يوجعني انا قلبي.” وتوجهت اليه قائلة: “محمد، رح يضل عقلنا براسنا. محمد عندي ولد قدك. قول ايه.” ومحمد يرجف على الكرسي. همّ كركي اذا على قلبها وطبعاً على قلب المشاهدين فهذه البرامج هدفها في النهاية “توعية” الرأي العام والوقوف الى جانبه.

انتهت الفقرة. لم تتناول كركي قانون الحماية من العنف الاسري. لم تتطرق الى حالات العنف المتزايدة في لبنان. لم تسأل عن الطريقة الافضل لمساعدة اولاد سارة للتعايش مع هذه الفاجعة. فهمّ كركي انصب على الدخول في التفاصيل الشخصية وكذلك كان همّ جو معلوف.

 

التكتيك عينه اعتمده معلوف في فقرته. تقرير ترافقه موسيقى حزينة؛ مناجاة الام المفجوعة، تصريح للابن يروي تفاصيل الجريمة، بالاضافة الى الاقرباء والتشديد هنا على تنفيذ عقوبة الاعدام بحق الزوج المجرم. في نهاية التقرير، محمد يكرر طلبه: “متل ما قتل امي، بدي ياه يموت.” وهنا يدخل جو. يتوجه مباشرة الى دانا ويقول لها: “ما بعرف اذا لازم قلك عقبال المية. كنت بتتوقعي انو عيدك ال17 يصير في هيك؟”

دانا، ضيفة معلوف، تبحث عن كلماتها. تكتفي بـ “لا.” لا يحصل معلوف على الجواب المنتظر. ينتقل للسؤال عن تفاصيل ليلة الجريمة. “خبروني شو صار ليلتها.” تجيب فاتن، ابنة سارة عن السؤال. معلوف قلق على الاولاد: “رجعتوا على المدرسة؟ شو قالوا رفقاتكن بس عرفوا؟ شو خبروكن؟” الاجوبة “سطحية” بالنسبة له. يقرر اللجوء الى استراتيجية اخرى. “اديه بتحسي بالذنب لأن كان عيد ميلادك؟ هل فكرتِ انو رجعتو عالبيت كرمالك انتِ وصار هالشي. بتجي الافكار ع راسك اوقات؟” صمتت دانا. اكتفت مجدداً بـ”لا” ومن ثم الصمت الكلي. والموسيقى الحزينة في الخلفية. الم يفكر جو معلوف للحظة عن شعور هذه الفتاة لحظة دخلت الى صالون منزلها ورأت امها مضرجة بالدماء؟ ألم يفكر بأنّ هذه الفتاة لن تتذكر شيئاً سوى جثة امها امام عيناها عند كلّ عيد ميلاد “تحتفل” به؟ بالطبع فعل. لكن ما قيمة مشاعر الضحايا امام السبق الاعلامي و”محاولة فهم دقيقة لما جرى،” على حد قول معلوف.

شعر معلوف بوطأة سؤاله على ابنة الـ17 عاماً. فاستدرك قائلاً: “كان فيها تصير بليلة تانية. بس انا بدي اعرف شو عم تفكروا. لازم الناس تعرف كمان شو عم تحسوا.” نعم، فالناس “تستلذ” بهذه اللحظات التعيسة ومعلوف يعي ذلك.

ومجدداً، معلوف يريد ان يعرف السبب الذي كان يدفع علي الى ضرب سارة. لا بد من سبب. لم يكتف بجواب فاتن التي نفت اي سبب قد يدفع والدها الى تعنيف امها. سألها مجدداً: “عطيني مثل. كيف كان يقوم يضربها. شو كان يصير لكان يضربها؟ هل كان يشرب؟ كيف بتبلش؟ كانت تستفزو؟” برر معلوف اسئلته تلك بحرصه على “توعية” النساء المعنفات واولادهن. اذا، بحسب معلوف، الطريقة الافضل لارشاد الرأي العام تكون عبر طرح اسئلة شنيعة وسطحية على اولاد لم يدركوا بعد هول الكارثة التي حلت عليهم.

عاد معلوف ليسأل عن تفاصيل تلك الليلة. يوقف فاتن كل 10 ثوان ليطرح سؤال اضافي. يريد كل التفاصيل، اي شيء قد يشكل سبق على البرامج الاخرى المنافسة. وبالتالي، عرض معلوف فيديو كاميرا المراقبة مجدداً واخذ يحلل المشاهد مع فاتن “هيدا محمد خيك ضهر من الباب. انتو كنتو صرتو برا. هيدا الناطور واقف ع جنب مش عم يسترجي يقرّب. بيّن طلع ماسك الرشاش. شو كان عم بقول هوني؟ “

في سياق الفقرة، استضاف معلوف محامي الضحية. سأله مجددا اذا كان شعر بالذنب لأنه لم يستطع حماية سارة. جو يريد تذنيب احد ما، والضيوف لا يقومون بمساعدته. المحامي حلّ ضيفاً على معلوف فيما اوحت كركي انه رفض الظهور معها. فقررت فتح النار عليه متهمة اياه بعدم مراعاة شعور العائلة والرأي العام بعدما نشر صورة لجثة الضحية مطالباً بتطبيق الاعدام في حق الزين. وبعيداً عن هول ما فعله المحامي، تناست كركي لهفتها الدائمة وراء صور الجثث فقط لأن الرجل صدّ طلبها.

انتهى المحامي من الاجابة على اسئلة معلوف الذي استعان بعدها بتسجيل صوتي بين الوالد وابنه. استمع المشاهدون حوالي دقيقة الى والد يصف ابنه بجميع انواع العبارات النابية السافلة ويهدده بالقتل. لم يتردد معلوف ببث التسجيل. لمَ يفعل؟ فقد سبق ان عرض فيديو مصور لأب يعنف اطفاله بأبشع الوسائل ولم يتأثر. لم يكتف معلوف بهذا القدر بل طلب من فريق الاعداد بث اللحظات التي تلت الجريمة ووصول القوى الامنية الى المنزل. هناك في هذا المنزل من كان قادراً على تصوير ما يجري. هناك استطاع شخص ان يحمل هاتفه لتسجيل صراخ وبكاء الاولاد. هناك شخص لم يتردد “ببيع” الفيديو الى البرنامج. فهذه الكمية من العنف اللفظي والبصري التي تظهر يومياً على شاشتنا اصبحت جزء من الروتين اليومي. وسائل الاعلام تتسابق عليها والرأي العام يستقبلها ويبحث عنها بلهفة. وهذا الواقع لا يعكس سوى الحالة المرضية التي باتت تعتري هذا المجتمع.

انتهت الفقرة. طلب جو من المرأة اللبنانية ان تكون قوية وتحمي نفسها. تكلم عن الاولاد الذين استيقظوا ليجدوا نفسهم “رجالاً.” وانتقل الى الفقرة التالية.

 

تبقى الفسحة الاخيرة لطوني خليفة وبرنامجه. لن اعلق على ما جاء على لسان خليفة شخصياً خلال الحلقة. فحتى زميلته في المحطة كاتيا مندلق لم تعرف ماذا تقول. فطوني خليفة ساوى جريمة قتل وحشية راحت ضحيتها امرأة عنفت طوال عشرين سنة بخلاف بين زوج وزوجته على كوب من الماء. والتعليق هنا لبيان من جمعية كفى ولمقالة للصحافية ليال حداد في جريدة العربي الجديد واخرى للصحافية سناء الخوري في جريدة السفير.

انتهت فقرات البرامج الثلاث كما بدأت. المشاهدون مفجوعون من هول الكارثة، يتناقلون ما حدث لكن ما من احد يفهم خطورة ما يجري. في الواقع، هذه البرامج التي من المفترض ان يكون هدفها توعية الجمهور ليست سوى بوق وصورة عن عورات المجتمع اللبناني. فهذا الاخير اصبح متساهلاً مع الجريمة بشكل مخيف. يهمه منها تفاصيلها الدموية ولحظاتها العنيفة. 17 طلقة نارية افرغت في امرأة تعرضت طوال عشرين سنة لأبشع انواع التعذيب يختصرها الاعلام بثلاثين دقيقة من الاسئلة الفارغة المضمون ومن المعالجة السطحية لتحقيق نسبة المشاهدة التي يبحث عنها. ومعه، يكتفي المشاهد بتلك اللحظات الوحشية، يستمتع بها، ثم ينتقل للبحث عن حادثة اخرى. لا يهم هذا او ذاك ان يعرف اي شيء عن قانون الحماية من العنف الاسري. لا يهمه ان يفهم كيف يمكن ان يحمي نفسه او عائلته من هذا العنف. لا يهمه ان يفهم سبب هذا العنف في الاصل. بالنسبة له، العنف ضد المرأة مبرر دائماً. فاذا اقدم رجل على قتل زوجته، تكون على الارجح قد استفزت ذكوريته او خانته. وكأن هذه الحجة او تلك تبرران الجريمة.  علي الزين قتل زوجته وبرامج الاثنين شاركت في الجريمة في 25 ايار 2015. والاخطر اليوم من تلك البرامج التي تتفشى على شاشاتنا هو المنحى الذي تسلكه ثقافة هذا المجتمع؛ هذا المجتمع الذي بات يهوى العنف ويعشق الدم.