شهداء 6 ايار: قصة التمثال والذكرى

جويل بطرس

خلال الحرب العالمية الاولى (1914-1918) اعدم والي سوريا العثماني جمال باشا حوالي 40 شخصاً في بيروت ودمشق بتهمة الخيانة العظمى والتعاون مع السلطات الفرنسية وذلك على فترة امتدت بين آب 1915 واوائل 1917. 18 منهم اعدموا في ساحة الاتحاد (سابقاً ساحة البرج وساحة المدافع) في بيروت (حملت اسم “جمعية الاتحاد والترقي” التي قادت الانقلاب على السلطان العثماني عبد الحميد الثاني عام 1908) في 6 ايار 1916. نقلت جثامين هؤلاء الى مدافن تلة الدروز في الصنائع بطريقة سرية وبقيت هناك حيث وضع نصب تذكاري فوق كل قبر يذكر اسم الميت وتحته حفرت كلمة “شهيد” بالاضافة الى تاريخ ولادته ووفاته. وتجدر الاشارة هنا الى ان الاخوين فيليب وفريد الخازن دفنا معاً في حين تمّ حفر النشيد الذي الفه عمر حمد على قبره.

الصورة منقولة عن موقع  www.aztagarabic.com
الصورة منقولة عن موقع
http://www.aztagarabic.com

بعد انتهاء الحرب عام 1918، تأسست “عصبة تكريم الشهداء” التي كان هدفها تنظيم احتفال رسمي سنوي تكريماً للشهداء وحملت الساحة التي اعدموا فيها اسم “ساحة الشهداء.” وقد قررت العصبة جمع التبرعات من اللبنانيين لتشييد نصب تذكاري يخلّد ذكراهم. وبالفعل، نجحت بتأمين المبلغ اللازم وكلفت الفنان يوسف الحويك تصميم التمثال. وفي 2 ايلول 1930، تم تدشين نصب “الباكيتان” في حفل حضره رئيس الجمهورية شارل دباس والمفوض السامي الفرنسي هنري بونصو. وكان التمثال عبارة عن امرأتين باكيتين واحدة مسيحية واخرى مسلمة ترتدي الحجاب تندبان ابنيهما فوق قبر يرمز الى مدافن الشهداء.

وبعد اعلان تأسيس دولة لبنان الكبير في 1 ايلول 1920، طلبت اللجنة من سلطة الانتداب الفرنسية تعيين تاريخ 6 ايار عيداً رسمياً للشهداء. رفض المفوض السامي الاقتراح وعيّن الاحتفال في الثاني من ايلول.  هكذا اذا، تحول الاحتفال الى احتفالين؛ الاول رسمي في الثاني من ايلول والثاني شعبي في السادس من ايار. نجحت الحملة التي قادتها اللجنة المنظمة للاحتفال الى دفع اللبنانيين الى مقاطعة السلطة وكان عدد المشاركين يزداد سنة بعد سنة في احتفال 6 ايار حيث بات طلاب المدارس والجامعات اول الحاضرين الى ساحة الشهداء. وشكل عام 1938 نقطة التحول اذ اعلنت السلطات الفرنسية توحيد العيد والاحتفال به رسمياً وشعبياً في السادس من ايار. ومنذ ذلك الحين، اصبح الاحتفال يضم رئيسي الجمهورية والوزراء وقوى الامن بالاضافة الى ممثل عن سلطة الانتداب. وكان الاحتفال عبارة عن مسيرات رسمية وشعبية تنطلق من ساحة الشهداء وصولا الى مدافن الشهداء.

الصورة منقولة عن موقع www.blogbaladi.com
الصورة منقولة عن موقع
http://www.blogbaladi.com

لم ينل النصب استحسان المسؤولين في السلطة من جهة واللبنانيين من جهة أخرى. فمعظمهم اعتبر ان الدموع تمثل الذل والخنوع في حين ان هؤلاء الشهداء ابطال. والنصب الذي كان معروفاً بـ”النصب التذكاري للشهداء” تحول بعد نيل لبنان استقلاله عام 1943 الى “نصب الباكيتين.” وبالفعل، تعرض التمثال للتحطيم في ايلول 1948 على يد سامي سليم الذي قرر ان يزيله بنفسه فنجح بكسر أنف احدى السيدتين. وصفت الصحف حينها سليم بأنه رجل مختل عقلياً. في الواقع، كان سليم عضو في العصبة واستاذ جامعي اعتبر ان التمثال لا يمثل الشهداء فقرر تحطيمه لثني السلطة على نزعه.

الحملة على تمثال الحويك حدت بالحكومة في آخر عهد الرئيس بشارة الخوري عام 1952 الى اطلاق مسابقة دولية لوضع مشروع جديد لنصب الشهداء التذكاري. وقد فاز في المسابقة المهندس اللبناني سامي عبد الباقي الذي كلف تقديم رؤية جديدة للنصب. وصل الرئيس كميل شمعون الى الحكم وتوقف العمل على المشروع بعد ان كان عبد الباقي قد انهى التصميم. وفي عام 1955 تقرر رفع نصب “الباكيتان” من ساحة الشهداء.

ظلت ساحة الشهداء بلا تمثال الى العام 1960. وكان شمعون قد قرر وضع الحجر الاساس للنصب العتيد في احتفال 6 ايار 1956 في انتظار ايجاد التصميم المناسب. ووسط انشغال السلطة بخلافاتها وبثورة 1958، كلف المجلس البلدي لمدينة بيروت النحات الايطالي مارينو مازاكوراتي تنفيذ النصب الجديد وفقاً لتصميم عبد الباقي الذي كان قد رسم رجلين عملاقين احدهما يحمل شعلة الحرية في يده. استغرق انهاء التمثال الجديد حوالي 30 شهراً ودشن في احتفال رسمي حضره رئيس الجمهورية فؤاد شهاب في 6 ايار 1960. وكانت المفاجأة بأن التمثال الجديد، البالغ طوله اربعة امتار و30 سنتيمترا وعرض قاعدته اربعة امتار ، يجمع امرأة ترفع مشعلا يرمز الى الحرية بيد وتحوط بيدها الاخرى شاباً وعلى الارض امامها ووراءها شهيدان. ولا نعلم لغاية اليوم لماذا لم يعتمد الفنان الايطالي تصميم عبد الباقي. بناء على ذلك، احتجت العصبة رافضة التمثال على اعتبار انه لا يمثّل الشهادة وقاطعت الاحتفالات احتجاجا وانتهى الامر الى الاتفاق مع الحكومة على مبدأ إلغاء التمثال الحالي وتنفيذ النصب الاساسي. وكان قد تقرر ان تعيد بلدية بيروت النظر في حديقة الساحة بحيث تنسجم مع التمثال، وان تنشىء اربعة ينابيع تمثل الفصول الاربعة. لكن البلدية اكتفت ببناء قاعدة للتمثال بقي مرفوعا عليها معزولا.

الصورة منقولة عن www.almustaqbal.com
الصورة منقولة عن
http://www.almustaqbal.com
الصورة منقولة عن موقع www.lebmoon.com
الصورة منقولة عن موقع
http://www.lebmoon.com

استمرت الاحتفالات في عيد الشهداء الى حين اندلاع الحرب الاهلية عام 1975. توقفت بفعل تحويل بيروت الى متراس يفصل بين الميليشيات المتصارعة. صمد التمثال في وجه النيران على الرغم من اصابته بالقذائف والرصاص. وعند انتهاء الحرب وعلى اثر اطلاق ورشة اعادة اعمار العاصمة، تقرر نقل تمثال الشهداء في 29 آذار 1996 الى معهد الترميم في جامعة الروح القدس – الكسليك تحت اشراف الاستاذ عصام خيرالله. انتهت اعمال الترميم ووضع التمثال في الباحة الرئيسية للجامعة في 6 ايار 1997. تركت اليد المبتورة بالاضافة الى بعض الثقوب الصغيرة ظاهرة في التمثال كي تبقى الشاهدة على الحرب. وقد بلغت كلفة الترميم حوالي 73 الف دولار تكفلت بهم شركة “سوليدير.” فكك النصب الى اربعة اجزاء وبقي ممدداً في الكسليك حوالي سبع سنوات بعدما اعلنت بلدية بيروت نيتها اقامة مواقف للسيارات تحت الارض في ساحة الشهداء خلال تلك الفترة. وكأن المواقف التي كانت قد اجتاحت وسط العاصمة لم تكن كافية رغم ما جرفته من مواقع اثرية ومن طمر لذاكرة اللبنانيين.

الصورة منقولة عن ar.wikipedia.org
الصورة منقولة عن
ar.wikipedia.org

غاب التمثال وغابت معه الاحتفالات في عيد الشهداء على الرغم من وعد رئيس الوزراء رفيق الحريري بإعادة احياء الذكرى. لم تنجح محاولات الحريري الذي قرر فجأة في 15 تموز 2004 إعادة التمثال الى ساحته بعدما اقتنع ان المرآب لن يبصر النور بسبب الخلافات بين بلدية بيروت والمقاولين. وبالفعل، تم نقل التمثال في اليوم عينه من ساحة الجامعة الى ساحة الشهداء. عند وصوله الى بيروت، مددت اجزاء التمثال على الارض وغطيت بقماش الخام واكاليل الزهر واسندت الفجوات بأكياس الرمل وذلك ريثما يتم تجهيز القاعدة الحجرية لرفعه عليها، وتهيئة المكان الذي سينصب فيه. لم يقم اي احتفال رسمي في الساحة بسبب الخلافات آنذاك بين الحريري ورئيس الجمهورية اميل لحود. وفي الواقع، لم يسلم التمثال من التجاذبات بين الرجلين اذ نقل في اليوم التالي الى موقع الكرنتينا العسكري بعد اوامر من لحود. والسبب هذه المرة غياب مكان لائق ومجهز لوضع التمثال الذي عاد في تشرين الثاني 2004 نهائياً الى ساحة الشهداء في ذكرى عيد الاستقلال.

الصورة منقولة عن www.mepanorama.net
الصورة منقولة عن
http://www.mepanorama.net

ورغم التفاف اللبنانيين في ساحة الشهداء وعودتها ساحة للتظاهرات والتجمعات، الا ان السلطة بالاضافة الى المجتمع المدني اهملوا ذكرى هذا النهار الذي تم ازالته عن اجندة الاعياد الرسمية. هذه الساحة باتت اليوم فارغة تماماً كالمدينة التي تأويها. وشهداء 6 ايار هم اليوم شهداء الصحافة التي تتذكرهم سنوياً فيما غيّب تاريخ هذه الساحة وناسها عن ذاكرة اللبنانيين.

الصورة منقولة عن wikimapia.org
الصورة منقولة عن
wikimapia.org

المراجع:

Volk, Lucia. Memorials and Martyrs in Modern Lebanon. Indiana: Indiana University Press, 2010

جريدة النهار

Advertisements